الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صيـاد اللؤلؤ

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:31/08/2001
  • التصنيف:فنون الأدب
  •  
1741 0 515
  
لم يكن في خالد صفة مميزة عن أهل مدينته الصغيرة الساحلية، بل كان نسخة تختلف قليلاً فقط عن أي شخص آخر، كما أن كل شخص فيها كان نسخة تختلف قليلاً عنه هو… يستيقظ باكراً ، ويأخذ عدة الصيد ويجلس الساعات على صخرة ممسكاً القصبة بينما عيناه تراودن الأفق ، وخياله يمضى في هذا البحر وفيما وراءه، ولا يعود من رحلته إلا بشدة الخيط التي تبشره أن رزقاً قد ساقه الله إليه وإلى عائلته ، وهكذا حتى تعلو الشمس ، فيجمع ما صاده ويذهب فيبـيعه ويشتري ما تحتاجه أسرته.

لقد كانت حياته أشبه شيء بهذا البحر ، وكانت أيامه صورة من هذه الأمواج ، ليس في موجة شيء يختلف عن أخرى إلا في مظهرها، أما حقيقتها وبدايتها واندفاعها ثم تكسرها على الشاطئ فأمر واحد متكرر.

ويوماً بعد يوم بدأ الملل ينمو داخله، بدأ السأم يحاصره خاصة مع تزايد حاجة الزوجة والأولاد، لقد أحس بالتعب ، ثم أخذ يشكو، قالت له زوجته :
لم لا تجرب عملاً آخر؟ أجاب: وأي شيء أحسنه غير الصيد حتى أعمل فيه؟
قالت : الغوص … إن الغواصين في هذه الأيام سوقهم رائجة…
_ ولكن الغوص فيه مخاطر كبيرة.
_ وكذلك حصيلته كبيرة،أنت تصيد سمكاً والغواص يصيد لؤلؤاً

     مضت أيام قرر بعدها أن يصبح غواصاً ويترك صيد السمك لذوي الهمم الضعيفة - برأيه - وعرفت أقدامه طريق الغواصين وتعلم أساليبهم وفنونهم ، ولم يطل به الوقت حتى صار صياد لؤلؤ.

اتسعت الحياة أمامه وطابت ، كان في كل غطسة يحتبس من الهواء في صدره أكثر من الغطسة التي قبلها ليبقى وقتاً أطول مع صدفاته الحبيبة ، يجمع منها ويجمع و يجمع حتى تجحظ عيناه ويضيق صدره وتنضغط شرايينه ، فيخرج سريعاً إلى سطح الماء فيشقه كسهم ويفتح فاه في شهقات سريعة متوالية تعوض جسده الهواء الذي يحتاجه، ثم يرتاح قليلاً ويعود…

ومرة بعد مرة ويوماً بعد يوم ازداد تعلقاً باللؤلؤ والصدف، كان ينظر إليها في الأعماق بشراهة ، وينطلق نحوها كأن بينه وبينها ثأراً، فيجمع ما يستطيع ثم لا يخرج إلا مضطراً.

  وذات يوم حصل له أمر غريب ، غطس كعادته بقوته وسرعته وشراهته حتى وصل إلى القاع ، كان هنالك بعض الأسماك ، نظر إليها ، وكأنه يرى السمك لأول مرة في حياته، قال في نفسه : لو أني أستطيع أن أتنفس تحت الماء مثلها ، كنت سأجمع عندها الكثير الكثير من الصدف واللؤلؤ ..عيناه تسمرتا على السمك ، الرغبة في داخله تزداد، تصهل جامحة عادية في أنحاء جسده ، أحس أن بدنه يخلق من جديد ، أحس أن هناك شقوقاً صغيرة مثل خياشيم السمك قد انفتحت تحت أذنيه ، تلمسها بيديه مندهشاً… فعلاً لقد أصبح له غلاصم .. أأحلم أنا أم هي الحقيقة؟ همس لنفسه.
   
ورويداً رويداً فتح فمه ودخل الماء إلى فمه… لقد خرج من "غلاصمه"!! جرب الأمر مرات، ضجت الفرحة في أعماقه … لقد أصبحت قادراً على الغوص والبقاء تحت الماء المدة التي أريد… سوف أجمع في يوم واحد ما كنت أجمعه في أسبوع بل أكثر….وتنقل بين الشعاب ينتقي من الأصداف ما يظن أن فيها أكبر اللآلئ حتى صار عنده حمل كبير فخرج به.

  حين اخترق سطح الماء وارتفع برأسه فوقه وأراد التنفس لم يستطع ، بل ضاق صدره فعاد مضطراً إلى الماء ليتنفس والدهشة تكاد تقتله …
كالذي يركض لاهثاً في الحلم سبح بسرعة نحو الشاطئ ، يعلو برأسه قليلاً فوق الماء ويبقى أكثر الوقت تحته… زوجته التي أحست بتأخره فلم تطق انتظاره في البيت كانت على الشاطئ تسأل عنه عندما وصل هو … ناداها بسرعة ثم غاص قليلاً ثم خرج ورمى إليها بحمله الثري … المسكينة لم تدرك ما يفعله زوجها فصاحت: هل ستتأخر حتى تعود إلى البيت ؟ رفع رأسه واستدار وأشار إلى غلاصمه الجديدة، وقال والضيق يخنقه:
لن أستطيع أن أعود ، لا أستطيع أن أتنفس خارج الماء !

عندها أحست أنها كمن أصيب بخسارة لا تعوض ، فبكت من أعماق نفسها بدموع فياضة … وأراد هو أن يبكي ،لكن عينيه - للأسف - أصبحتا بلورتين مثل عيني سمكة !

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

فنون الأدب

صيـاد اللؤلؤ

لم يكن في خالد صفة مميزة عن أهل مدينته الصغيرة الساحلية، بل كان نسخة تختلف قليلاً فقط عن أي شخص آخر، كما أن كل شخص فيها كان نسخة تختلف قليلاً عنه هو… يستيقظ باكراً ، ويأخذ عدة الصيد ويجلس الساعات على صخرة ممسكاً القصبة بينما...المزيد