الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل ما يحدث لنا من عسر سببه الحسد أو السحر، أم هو القدر؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كيف أعرف إن كان ما يحدث في أسرتي بسبب الحسد، أو -أعوذ بالله- السحر، أم أنه مجرد قَدَرٌ وابتلاء؟ وكيف يكون التعامل مع ذلك؟

فأنا وإخوتي أحوالنا متعسِّرة؛ فأحد إخوتي يعمل، ولكنه يرفض الزواج رفضًا تامًّا، مع العلم أنه مقتدر، والأخ الآخر لا يعمل، ويرفض أن يعمل، ويريد أن يعيش دون عمل، ويغضب كثيرًا عندما نحدثه عن ضرورة العمل، مع أن عمره ليس صغيرًا.

أمَّا أنا، فلا يكتمل لي أي أمر من أمور الزواج؛ فلا يتقدم إليَّ أحد في الغالب، وعندما يتقدم إليَّ شخص بعد فترات طويلة، ينتهي الأمر من تلقاء نفسه في كل مرة، دون تدخل مني.

وقد كنتُ أقول في نفسي: هذا نصيبٌ وقدَرٌ، ولكن عندما أرى أننا نحن الثلاثة على هذه الحال، لا أعرف هل ما نمر به مجرد قدَرٌ وابتلاءٌ ينبغي لنا الصبر عليه والأخذ بأسباب تغييره، أم أن هناك -عياذًا بالله- سبب آخر، كالحسد أو السحر؟

ولا نعرف ماذا نفعل، أو كيف نتعامل مع هذه الحال؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يفتح لكم أبواب الخير والرزق، وأن يرزقكم السكينة وحسن التوكل عليه، ويصرف عنكم كل سوء، وبعد:

فمن أكثر الأمور التي ترهق الإنسان أن تتكرر بعض التعثرات في أسرة واحدة، فيبدأ العقل في جمعها وربط بعضها ببعض: أخ لا يريد الزواج، وآخر لا يريد العمل، وأنتِ يتعثر أمر زواجكِ، ثم ينتهي إلى سؤال مخيف: هل يمكن أن يكون وراء ذلك حسد أو سحر؟

وهنا ينبغي التوقف عند هذا الخلل، ونحن نريد أن نضع المسألة في ميزانها الشرعي الصحيح، فلا ننكر السحر والحسد، وقد أثبتهما الشرع، وفي الوقت نفسه لا نفسر بهما كل تأخر أو تعثر في الحياة، لذا دعينا نجيب من خلال ما يلي:

أولًا: السحر والحسد حق، لكن لا يصح الجزم بهما لمجرد تعطل بعض الأمور، قال الله تعالى في السحر: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}، وقال سبحانه في الحسد: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.

إذًا نحن لا ننكر وجودهما، ولكن وجود السحر والحسد في الشرع لا يعني أن كل بيت تأخر زواج أبنائه، أو تعطلت أعمالهم، يكون مسحورًا أو محسودًا، والأصل ألَّا ننقل الإنسان من اليقين إلى الشك بغير دليل.

ثانيًا: ما ذكرتِ من أحوال إخوتكِ له تفسيرات ظاهرة، فالأخ الأول يعمل ومقتدر، ولكنه يرفض الزواج تمامًا، وهذا في ذاته لا يدل على السحر، فقد يكون لديه تصور سلبي عن الزواج، أو خوف من المسؤولية، أو تجربة أثرت فيه، أو أسباب شخصية لا يخبركم بها، أو ببساطة لا يرغب في الزواج الآن.

أما الأخ الثاني، فلا يعمل ويرفض العمل، ويغضب عند الحديث معه، وهذه أيضًا لا تجعلنا نقول إنه مسحور، فقد يكون وراء ذلك اعتياد على الكسل والاتكالية، أو إحباط متراكم، أو مشكلة نفسية، أو خوف من الفشل، أو غير ذلك، وهذا يحتاج إلى فهم سبب رفضه للعمل ثم علاجه، لا إلى تفسيره ابتداءً بالسحر.

وأما تأخر زواجكِ، فإن كثيرًا من الرجال والنساء يتأخر زواجهم، وكثيرًا ما تبدأ خطبة ثم لا تتم، وقد قال الله سبحانه: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}، والحياة لا تسير دائمًا وفق ما نريد، واجتماع هذه الأمور في ثلاثة إخوة لا يحولها تلقائيًا إلى سحر.

ثالثًا: لا يوجد اختبار قطعي تستطيعين به معرفة أنكِ محسودة أو مسحورة، وهذه نقطة مهمة جدًا، فبعض الناس يضع قوائم طويلة: إذا تثاءبتِ أثناء القرآن فأنتِ محسودة، وإذا شعرتِ بصداع فأنتِ مسحورة، وإذا تأخر الزواج فهو سحر تعطيل، وإذا رأيتِ حلمًا معينًا فهناك مس.

وهذا التوسع غير صحيح، فالصداع، والتثاؤب، والأحلام، والخمول، وضيق الصدر، والنفور، وتعثر الزواج والعمل، كلها أمور قد تقع لأسباب كثيرة جدًا، ولا يصح أن نجعلها تشخيصًا للسحر أو الحسد.

وحتى التأثر عند الرقية لا ينبغي أن يتحول إلى باب للوسواس ومراقبة الجسد: هل ارتجفت يدي؟ هل تثاءبت؟ هل شعرت بحرارة؟ ماذا يعني النبض الذي شعرت به؟ لأن الإنسان إذا راقب جسده بهذه الطريقة، سيجد عشرات الأحاسيس التي لم يكن ينتبه إليها من قبل.

رابعًا: ما تسمينه «مجرد قدر وابتلاء» هو في الحقيقة الأصل الذي يشمل كل شيء، فكل ما يقع في الكون إنما يقع بقدر الله، حتى السحر والحسد لا يخرجان عن قدره سبحانه، ولذلك قال تعالى عن السحر: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}.

وقد يكون ابتلاء الأسرة أن يتأخر الزواج، أو يضعف الرزق، أو تختلف طبائع الأبناء، كما يكون ابتلاء أسر أخرى بالمرض، أو الديون، أو الخلافات، أو فقد الأحبة.

ولذلك لا تقولي: إما قدر وإما سحر، بل كل شيء بقدر الله، والسؤال فقط: هل عندنا دليل معتبر على وجود سبب مخصوص كالسحر؟ وما ذكرتِ لا يكفي للجزم بذلك.

خامسًا: الذي ينبغي عليكم فعله الآن ما يلي:

• اجمعوا بين التحصين الشرعي والأسباب الواقعية، وهذه أجمل طريقة للخروج من الحيرة.
• حافظوا على الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وآية الكرسي، والمعوذات، واقرؤوا سورة البقرة في البيت كل ليلة، أو استمعوا إليها عند عدم القدرة على القراءة، وارقوا أنفسكم بالرقية الشرعية من القرآن والأدعية الثابتة، وهذا خير لكم، سواء وجد حسد أو لم يوجد، وسواء وجد سحر أو لم يوجد.

ولا يلزم أن تبحثوا عن راقٍ من البداية، فالإنسان يستطيع أن يرقي نفسه وأهله، وفي الوقت نفسه عالجوا كل مشكلة بسببها الظاهر، فالأخ الرافض للزواج لا تضغطوا عليه، ولكن يحاوره شخص يحبه ويثق به لمعرفة السبب الحقيقي.

أمَّا الأخ الرافض للعمل، فينبغي ألَّا يعامل على أنه «مربوط عن العمل»، بل يبحث أهله عن سبب هذا الرفض، ويشجعونه على تحمل المسؤولية والبدء، ولو بعمل بسيط، وإذا ظهرت عليه علامات اضطراب نفسي، أو اكتئاب، أو عزلة شديدة، فينبغي الاستعانة بمختص.

وأنتِ لا تجعلي انتظار الزواج هو محور حياتكِ، بل خذي بالأسباب المباحة في توسيع دائرة التعارف عن طريق النساء الثقات، والأقارب، وأهل الصلاح، وادعي الله، ثم اتركي التوقيت له سبحانه.

سادسًا: احذري من الانتقال من الخوف من السحر إلى العيش تحت سلطانه، وهذه أخطر نقطة، فقد يبدأ الإنسان بسؤال بسيط: هل نحن مسحورون؟ ثم يبدأ البحث، ثم يذهب إلى راقٍ، ثم آخر، ثم ثالث، وكل واحد يعطيه تفسيرًا مختلفًا: سحر تعطيل، عين قديمة، شخص قريب، شيء في المنزل.

وبعد أشهر قد تصبح الأسرة كلها تُفسِّر حياتها بالسحر، فإذا تأخر خاطب قالوا: السحر، وإذا رفض الأخ وظيفة قالوا: السحر، وإذا حدث خلاف قالوا: السحر، وهنا يصبح الاعتقاد بالسحر نفسه سببًا في تعطيل الأخذ بالأسباب.

والأسوأ من ذلك أن يبدأ الشك في الأقارب والجيران: من فعل بنا ذلك؟ ومن يحسدنا؟ فأغلقي هذا الباب من بدايته، ولا تتهمي أحدًا بلا بينة.

سابعًا: لا تجعلي تأخر الزواج علامة على غضب الله، فقد يرزق الله امرأة الزواج في العشرين، ويكون الزواج باب تعب لها، ويؤخر أخرى إلى الثلاثين أو بعدها، ثم يرزقها زوجًا صالحًا تسكن إليه.

ونحن -أختنا- نرى الساعة التي تأخر فيها المطلوب، ولا نرى العمر كله الذي يدبره الله، وقد قال الله: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

فلا تقولي: لماذا نحن الثلاثة؟ فكم من بيت فيه ثلاثة لم يتزوجوا، وبيت فيه ثلاثة مرضى، وبيت فيه أبناء بلا عمل، وبيت اجتمعت عليه الديون، وتشابه الابتلاءات داخل الأسرة لا يكفي وحده لإثبات سبب غيبي.

والخلاصة: نحن لا نرى فيما ذكرتِ دليلًا نستطيع بناءً عليه أن نقول إن أسرتكم مصابة بالسحر أو الحسد، ومع ذلك نقول لكم: حصنوا أنفسكم، وارقوا أنفسكم بالقرآن والسنة، دون خوف أو مبالغة، وفي الوقت نفسه تعاملوا مع مشكلة كل واحد منكم بأسبابها الواقعية.

ولا تجعلي السؤال الذي يشغلكِ كل صباح: «هل نحن مسحورون؟»، وإنما اجعليه: «ما الذي نستطيع فعله اليوم مما أمر الله به؟».

فالذي يحفظكم من الحسد هو الله، والذي يبطل السحر إن وجد هو الله، والذي يرزق أخاكِ العمل هو الله، والذي يفتح لكِ باب الزواج هو الله، وكل ذلك لا يكون إلا في الوقت الذي كتبه سبحانه.

فخذي بالأسباب، وأكثري من الدعاء، ولا تراقبي العلامات والأعراض، ولا تسمحي للخوف من أمر غيبي لم يثبت أن يسلب منكِ طمأنينة الحاضر، ونسأل الله أن يرزقكم من حيث لا تحتسبون، وأن يفتح لكم أبوابًا ظننتم أنها أغلقت، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً