الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

موقف الإسلام من مشكلة الغلاء

السؤال

مشايخنا الكرام: رسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة، ودين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده إلي يوم الدين. هذه الرسالة صالحةُ لكل زمان ومكان ولمخاطبة الجميع وفق أحوالهم المختلفة، وحينما يقف الدين مكتوف الأيدي أمام قضية ما، فهذا لا يعني أبداً نقصا في الدين، ولكنه ينم عن سوء فهمٍ لهذا الدين وعجز علي استخلاص الأحكام منه. وإن كانت المصيبة الكبرى التي ابتليت بها الأمة في الوقت الحالي هي الضعف الشديد والاستضعاف في الأرض، إلا أن هناك أزمات أخرى يتعرض لها المسلمون، بالفعل هي أقل في الأهمية من الأزمة الكبرى إلا أنها أزمات........ ومن هذه الأزمات أزمة الغلاء. هذه الأزمة ربما لا تشعر بها شريحة كبيرة من أبناء المجتمع -- نظراً لظهور هوة طبقية شاسعة بين أفراد المجتمع الواحد - إلا أن تأثيرها يظهر جلياً بين أبناء قطاع كبير من المسلمين (في مصر علي سبيل المثال)، خاصةً في المجتمعات الريفية البسيطة. وقد ظهرت بوادر هذه الأزمة بالفعل فقد انتشرت السرقات، زاد انحراف الشباب لعدم القدرة علي تكاليف الزواج الباهظة، سادت حالة من التوجس والقلق وعدم الاطمئنان عما سوف يحدث في المستقبل، أصبح التطاحن من أجل الحصول علي لقمة العيش هو الشغل الشاغل وهم الناس الأكبر، وأصبح الغلاء حديث الرجال والنساء والشباب بل والأطفال، لدرجة أن الناس لم يعد لهم حديث إلا على ذلك. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يستطيع الدين أن يعالج مثل هذه الأزمة، وما الذي ينبغي أن يكون عليه الخطاب الديني في مثل هذا الوقت؟ فمشكلة الخطاب الديني مشكلة كبيرة وتحتاج إلي توجيهٍ دقيق حتى يستطيع إقناع الجماهير؟ فلا يعقل أن يكون الخطاب الديني في ناحيةٍ أخري بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الناس، فهذا بلا شك سيؤدي بهم إلى حالةٍ من فقدان الثقة في هذا الخطاب، ولا أكون مبالغاً إن قلت، بل وفي الدين كله.
أرجوا من مشياخنا الرد مع ذكر مراجع تفيد في هذا الصدد؟ جزاكم الله خيرا

الإجابــة

خلاصة الفتوى:

لم يهمل الإسلام مشكلات الغلاء، وإنما عالجها بالحكمة والتوجيه الحسن. فأمر بإنظار المعسر وحث على التصدق عليه، ورغب في السماحة في البيع والشراء والاقتضاء، ونهى عن الاحتكار، وأكد على حب الخير للمسلمين.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فالدين الإسلامي قد عالج مشكلة الغلاء، وتنوعت في علاجها أساليبه وخطاباته. من ذلك وجوب إنظار المعسرين والترغيب في التصدق عليهم. قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة:280}.

ومنه حث الشارع الحكيم على السماحة في البيع والاشتراء والاقتضاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى". والحديث في صحيح البخاري وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

ومنه النهي عن الاحتكار وتربص أوقات الغلاء، فقد جاء في صحيح مسلم: أن معمرا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر فهو خاطئ. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم (من احتكر فهو خاطئ) وفي رواية(لا يحتكر إلا خاطئ) قال أهل اللغة الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم. وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار. قال أصحابنا الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه. اهـ

وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن إيمان المرء لا يكمل إلا بحبه للمسلمين ما يحبه لنفسه. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يجب لنفسه". متفق عليه عن أنس رضي الله عنه.

وليس الترغيب في السماحة مقتصرا على البائع والدائن فحسب، بل هو للمدين أيضا. روى الشيخان عن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، ثم قال: أعطوه سنا مثل سنه، قالوا: يا رسول الله إنا لا نجد إلا أمثل من سنه، فقال: أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء.

فإذا أحسن الدعاة في توجيه الناس إلى مثل هذه الدروس، فإنه لا يستبعد أن يكون في ذلك مساهمة إلى تذليل أزمات الغلاء.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني