الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تحريم النمص مطلقا هو أسعد الأقوال بالدليل
رقم الفتوى: 136339

  • تاريخ النشر:الخميس 21 جمادى الآخر 1431 هـ - 3-6-2010 م
  • التقييم:
44821 0 1085

السؤال

أريد فهم هذه الفتوى بشيء من التفصيل جزاكم الله خيرا.
اعرض لكم فتوى الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله كاملة من كتابه ( فتاوى)
سؤال عن النمص الوارد فيه اللعن؟
- الجواب : لا بد من مقدمات نتفق عليها قبل الجواب.
أولها: إن ما ورد اللعن عليه من الأفعال يكون حراماً، ومن كبائر المحرمات.
ثانياً: من تتبع الكبائر وجد بأن فيها هدراً وإضاعة لواحد من المصالح الخمس الأصلية وهي: حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ النسل، و قبل ذلك كله حفظ الحياة فالكفر هو من أكبر الكبائر لأن فيه إضاعة للدين، والخمر وكل ما يخامر العقل ويعطله والعدوان على المال بالسرقة، وما يفسد النسب والنسل من الزنا وأمثاله، والقتل و تعطيل عضو أساسي- هذا كله، لا شك أنه من الكبائر.
وقد وجدت كبائر لا تدخل تحت واحد من الخمس كعقوق الوالدين والغيبة والنميمة وشهادة الزور والغش والخديعة وأمثالها، فوجب إضافة أصل سادس أرى أن نسميه (الأمن الداخلي) مثلاً، وكبائر يمكن أن نسميها (الأمن الخارجي) كموالاة العدو، و العمل لمصلحته، والتجسس على المسلمين، والفرار من المعركة.
ثالثاً: وجدت بالاستقراء (الذي قدرت عليه بذهني الكليل وعلمي القليل) أن ما ورد اللعن عليه أو المنع الشديد منه، و ليس فيه إضاعة لإحدى هذه المصالح، يكون النهي فيه حالة خاصة، أو صفة خاصة.
وعلى هذا أقول: إن حديث لعن النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة . . إلخ. . حديث صحيح. ولكن كيف نفهمه؟
إن رواة الحديث لم يشرحوا لنا المراد من كلمة (النامصة)، هل المراد منها ما يشمله معناها في لسان العرب أم هي صفة خاصة كانت معروفة عند ورود الحديث.
النمص في اللغة النتف، وفي الجسم مواضع جوز الشرع نتف الشعر منها، بل ندب إليه وحث عليه، فلا يمكن إذن أن يكون المراد لعن كل امرأة تنتف (أي تنمص) شيئاً من شعر جسدها، فالحديث ليس على عمومه.
قالوا: المراد منه نتف الحاجبين، وهو قول وجيه و إن لم يرد عليه دليل، ومن راجع (المغني) وجد أنه ينقل عن الإمام أحمد جواز تعديل الحاجب بالمقص أو الموسي أو الشفرة، وفي كتب الفقه كلها كلام حول هذا الموضوع نفهم منه التالي:
1 - الزينة لاسيما للمتزوجة تتزين لزوجها جائزة بل مطلوبة.
2 - ما يدخل في حدود الزينة من تعديل وتنظيم للحواجب فهو جائز.
3 - نتف الحاجب كله أو نتفه إلا خطا رقيقا لا يجوز.
ولعل أوجه الأقوال ما رواه ابن الجوزي عن بعض الحنابلة، ولم يسمهم، من أن هذا النمص إذا كان شعاراً، و علامة للفاجرات من النساء حرم. وإلا كان مكروهاً فقط.
انتهى كلام الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فما انتهت إليه الفتوى المذكورة من حيث الترجيح ـ وهو قول ابن الجوزي رحمه الله - لا نراه راجحاً، بل الراجح عندنا هو حرمة النمص مطلقاً، فهذا أسعد الأقوال بالدليل وأقربهم للتنزيل، وقد سبق لنا في عدة فتاوى بيان معنى النمص وحكمه وأدلته، ومناقشة بعض ما قيل فيه من أقوال ضعيفة، فراجع في ذلك الفتاوى ذوات الأرقام: 102335، 75840، 134126، 8472، 22244.

إلا إن لنا بعض الملاحظات على فتوى الشيخ الطنطاوى رحمه الله تعالى تفريعا وتأصيلا، وسنقتصر من ذلك على ملاحظتين، إحداهما تتعلق بالفرع، والأخرى تتعلق بالتأصيل، ليدل ذلك على ما وراءها إن شاء الله.

أما التي تتعلق بالفرع، وهو حكم النمص ذاته، فقول الشيخ: رواة الحديث لم يشرحوا لنا المراد من كلمة النامصة... النمص في اللغة النتف، وفي الجسم مواضع جوز الشرع نتف الشعر منها... الخ.

نقول: أما رواة الحديث فبين بعضهم ذلك، ومن أشهرهم الإمام أبو داود، فقال بعد رواية الحديث: تفسير الواصلة التي تصل الشعر بشعر النساء، والمستوصلة المعمول بها. والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه، والمتنمصة المعمول بها.. اهـ.

فخصه بالحاجبين، وجمهور الفقهاء كما في الموسوعة الفقهية: ذهبوا إلى أن نتف ما عدا الحاجبين من شعر الوجه داخل أيضا في النمص. اهـ.

والذي يعنينا الآن هو أن أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا لم يوسع مفهوم النمص ليتناول ما عدا شعر الوجه، لنحتاج بعد ذلك أن ننبه على أن في الجسم مواضع جوز الشرع نتف الشعر منها... الخ !!! فغاية ما هنالك أن العلماء اختلفوا في تخصيص النمص بالحاجبين أو تعميمه ليشمل الوجه كله. ولذلك نص من وقفنا على كلامه من شراح الحديث كالحميدي والخطابي والقاضي عياض والنووي والبغوي وابن الجوزي وابن حجر والعيني والسيوطي والمناوي والقاري والمباركفوري والعظيم آبادي على أن النمص هو نتف الشعر من الوجه. وعلى ذلك نص كثير من أئمة اللغة كأبي عبيد القاسم بن سلام والفراء والأزهري.

وأما ما يتعلق بترجيح ابن الجوزي والذي وصفه الشيخ بأنه أوجه الأقوال فهو مخالف لظاهر الحديث، بل إنه عند التحقيق يخرج الحديث عن معناه، وبيان ذلك أن الحديث نص على العلة، وهي: تغيير خلق الله طلبا للحسن. ولو كانت العلة هي كون ذلك شعارا للفاجرات، لم يكن لتخصيص هذه الأشياء فائدة، فإن كل ما هو شعار للفاجرات محظور، سواء من هذه الأشياء المذكورة في الحديث أو من غيرها. ومما يؤكد ذلك: سياق حديث ابن مسعود، فإن أم يعقوب لما سألت ابن مسعود وذكر لها الحديث، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه؟ قال: فاذهبي فانظري. فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا.

وهذا يدل دلالة قاطعة على أن النمص لم يكن شعارا للفاجرات، وإلا لم تعترض أم يعقوب ابتداء، ثم لم تظن انتهاء أن امرأة ابن مسعود وهي من فضليات الصحابة تفعله.

على أن ما ذكر الشيخ الطنطاوي نفسه أنه فهمه من كتب الفقه يخرج على هذا الضابط أيضا، كقوله: نتف الحاجب كله أو نتفه إلا خطا رقيقا لا يجوز فإن هذا لم يعد من شعار الفاجرات، بل يفعله كثير من العفيفات.

وأخيرا.. فمما يبين رجحان حرمة النمص مطلقا، هو اتفاق الفقهاء على حرمة تفليج الأسنان للحسن مطلقا وهو قرينه في الحديث من غير تقييد بكونه شعارا للفاجرات، أو تقييده بغر المتزوجات. كما جاء في الموسوعة الفقهية: اتفق الفقهاء على أن تفليج الأسنان لأجل الحسن حرام، سواء في ذلك طالبة التفليج وفاعلته. اهـ.

وأما ما يتعلق بالتأصيل، فإن حد الكبيرة وضابطها مسألة قديمة قدم الإسلام نفسه، وقد تكلم أهل العلم في ذلك قديما وحديثا، ولكن لم نجد من وضع ما وضعه الشيخ رحمه الله من ضابط للكبيرة، باعتبار ما فيها من إهدار لواحد من المصالح الخمس الأصلية، أو تفويت لما سماه الشيخ بالأمن الداخلي أو الخارجي. وأما ما جاء فيه اللعن مما لا يدخل تحت هذا الضابط فيكون النهي فيه حالة خاصة أو صفة خاصة.

وهذا الضابط نفسه يحتاج إلى ضابط، فما من شيء من المنهيات وإلا ويمكن إرجاعه لمصلحة من المصالح الخمس الكلية أو إدخاله في مسمى الأمن الداخلي أو الخارجي. ناهيك عن افتقار أصل ذلك إلى البرهان الشرعي، لأن الحكم بمجرد الحل أو الحرمة، فضلا عن الكبائر، إنما يعتمد على أدلة الشرع، وليس للذوق الشخصي أو الرأي المجرد مجال في ذلك.

وأما مسألة اللعن، فهناك أنواع ثابتة منه يتعسر ضبطها بما ذكره الشيخ رحمه الله ومن ذلك لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. رواه البخاري. ولعنه صلى الله عليه وسلم من نصب الحيوان الحي هدفا يرميه. رواه البخاري ومسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل. رواه أبو داود وأحمد، وصححه الألباني. وقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور. رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والبوصيري والألباني. وقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من يسم في الوجه. رواه الطبراني، وصححه الألباني. وقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله قاطع السدر. رواه الطبراني والبيهقي، وصححه الألباني. وغير ذلك كثير. ولمعرفة كلام أهل العلم الراسخين في ضابط الكبيرة يمكن مراجعة الفتوى رقم: 123437، ففيها ما يشفي ويكفي إن شاء الله.

هذا، ولابد من التنبه إلى أن الكبائر نفسها ليست على درجة واحدة، بل بعضها أشد وأكبر من بعض، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى ذنوبا معينة: أكبر الكبائر، فقال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور. رواه البخاري ومسلم. وهذا يعني أن هناك كبائر دون ذلك. وراجع في هذا المعنى الفتوى رقم: 48472.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: