الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الصلاة خلف من يلحن في الفاتحة في ميزان الشرع

السؤال

أود السؤال عن لحن إمام المسجد في الفاتحة، باعتبار أنه يبطل الصلاة، فهذا يعني حرماني من الصلاة في كل المساجد التي حولي، فهل يمكنني الأخذ بفتوى الشيخ الألباني في الموضوع: إذا تيسر لك من هو خير وأقرأ منه فعليك به، وإذا لم يتيسر، فصلاتك من خلفه صحيحة، وعذر لحنه عليه نفسه؟ لقوله عليه الصلاة والسلام في حق الأئمة: يصلون بكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم.
سلسة الهدى والنور، شريط: 806 ـ الدقيقة 31.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فاعلم أنه ليس كل لحن في الفاتحة مانعا من صحة الاقتداء، وإنما يمنع ذلك اللحن المحيل للمعنى ـ كإبدال حرف بحرف، أو إسقاط حرف، أو نحو ذلك ـ وبعيد جدا أن يكون كل أئمة المساجد المحيطة بك يقعون في مثل هذا اللحن ، واعلم ـ كذلك ـ أن بعض الفقهاء المتأخرين قد سهلوا في الحروف المتقاربة المخارج ـ كالسين والصاد والتاء والطاء ـ في حق العامة، لعموم البلوى وعسر تمييز العامة بين مثل هذه الأحرف، ويومئ إلى هذا تسهيل شيخ الإسلام في الضاد والظاء لقرب المخرج وعسر التمييز، وانظر لتفصيل الكلام في هذا والاطلاع على ما قرره أهل العلم الفتوى رقم: 113626.

وقد يكون في الأخذ بهذا القول سعة عند عموم البلوى ومشقة الاحتراز، ولكن الأصل هو أن يحرص المسلم على أن يصلي خلف من يحسن القراءة ويقيم الفاتحة على وجهها، وما ذلك بعزيز ـ فيما يظهر ـ

وأما حديث: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم.

فهو حديث صحيح ثابت رواه البخاري في صحيحه.

وقد اختلف الشراح في وجهه، فمنهم من حمله على الخطإ في الوقت كما كان يفعله كثير من الأمراء فيخرج الصلاة عن وقتها فيصلي المكلف في بيته ثم يصلي معهم فيكون معنى، وإن أخطأوا ـ أي إن أخطأوا الوقت ـ فلكم صلاتكم في بيوتكم، وهو قول ابن بطال، ومنهم من حمله على خطإ الإمام في غير الصلاة، واستدل به على جواز الصلاة خلف البر والفاجر، ومنهم من استدل به على صحة الصلاة خلف من تبين أنه صلى محدثا، ومنهم من استدل به على صحة الصلاة خلف الإمام الذي يترك واجبا، أو شرطا بتأويل، وبهذا الحديث استدل شيخ الإسلام في مواضع من فتاواه المباركة على صحة صلاة المأموم خلف من يتمذهب بغير مذهبه وإن فعل الإمام ما يراه المأموم مبطلا للصلاة، فهذه هي الأوجه التي حمل عليها العلماء هذا الحديث ـ كما ستراه في كلام الحافظ.

وأما الصلاة خلف من يترك شرطا، أو ركنا بغير تأويل والمأموم يعلم ذلك: فإنها غير صحيحة، فالإمام إذا كان يلحن في الفاتحة لحنا يحيل المعنى لم تصح الصلاة خلفه، إلا على الوجه الذي ذكرناه آنفا من تسهيل بعض العلماء في أمر الحروف المتقاربة المخارج، قال الحافظ في الفتح: زعم ابن بطال: أن المراد بالإصابة هنا إصابة الوقت واستدل بحديث ابن مسعود مرفوعا: لعلكم تدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة ـ وهو حديث حسن أخرجه النسائي وغيره.

فالتقدير على هذا: فإن أصابوا الوقت، وإن أخطؤوا الوقت، فلكم يعني الصلاة التي في الوقت.

وقال المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه.

وقال البغوي في شرح السنة: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثا أنه تصح صلاة المأمومين وعليه الإعادة. واستدل به غيره على أعم من ذلك وهو صحة الائتمام بمن يخل بشيء من الصلاة ـ ركنا كان، أو غيره إذا ـ أتم المأموم، وهو وجه عند الشافعية بشرط أن يكون الإمام هو الخليفة، أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلا بمن علم أنه ترك واجبا.

ومنهم من استدل به على الجواز مطلقا بناء على أن المراد بالخطإ ما يقابل العمد، قال: ومحل الخلاف في الأمور الاجتهادية كمن يصلي خلف من لا يرى قراءة البسملة ولا أنها من أركان القراءة ولا أنها آية من الفاتحة، بل يرى أن الفاتحة تجزئ بدونها، قال: فإن صلاة المأموم تصح إذا قرأ هو البسملة، لأن غاية حال الإمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ، وقد دل الحديث على أن خطأ الإمام لا يؤثر في صحة صلاة المأموم إذا أصاب.

انتهى بتصرف.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني