الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النية عند إرادة الوضوء لا تحتاج إلى كبير جهد
رقم الفتوى: 164837

  • تاريخ النشر:الأربعاء 8 ذو القعدة 1432 هـ - 5-10-2011 م
  • التقييم:
5380 0 361

السؤال

كان عندي وسواس قهري منذ سنوات، حيث لم أكن أستطيع الدخول في نية الوضوء لمدة قد تصل إلى ساعات، و حتى أجبر نفسي على الدخول في النية حلفت و قلت العبارة الآتية: والله العظيم بعدد ما لا نهاية من الحلف بالله العظيم، و كل حلف غير الآخر لن أتراجع عن الدخول في نية الوضوء. و بعد ذلك حنثت و لم أستطع الدخول في نية الوضوء.
عرفت أن بعض المذاهب تعتبر أن تكرار القسم قبل الحنث يلزم بكل تكرار, كفارة جديدة عند الحنث. فهل عندهم التكرار بعدد التلفظ بالقسم بالله تعالى مثل " والله , والله , والله" على سبيل الإنشاء أم أيضا بذكر عدد مثل: والله بعدد الحروف أو والله بعدد شعر رأسي لأفعلن كذا...الخ.
أنا أعرف أن رأي الجمهور أن تكرار القسم قبل الحنث تلزم منه كفارة واحدة عند الحنث، و لكن ماذا لو كان الرأي الآخر هو الصواب أن تكرار القسم يلزم بكل تكرار كفارة, و أنا لن أستطيع أن أكفر عن قسم بعدد ما لا نهاية مثل ما قلت, أنا خائف أن يكون علي سيئات لا تحصى، مع العلم أنني تبت إلى الله و لست قانطا من رحمة الله مهما كان ذنب أو ذنوب هذا الفعل.
أعلم أن كيفية حسابي عند الله أمر لا يعلمه إلا الله، و لكنني خائف و مهموم و أفكر في هذا الموضوع كثيرا (أن يكون علي سيئات لا تحصى) خاصة عندما أفكر في يوم الحساب , لا أستطيع أن أفرح بسهولة و أشعر بالاكتئاب.
فهل عند من قال إن تكرار القسم قبل الحنث يلزم بكل تكرار, كفارة جديدة عند الحنث يكون بعدد التلفظ بالقسم بالله تعالى أم أيضا بذكر عدد بدون تكرار التلفظ بلفظ الجلالة؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فنسأل الله لنا ولك العافية من الوساوس، وبما أنك تعلم من نفسك الوسوسة فقد كان من الواجب عليك الاستعاذة بالله من الشيطان والإعراض عن تلك الوساوس وعدم الاسترسال فيها، لما يترتب على ذلك من الخطر الكبير على المسلم في دينه ودنياه، فعليك أن تكذب الشيطان إذا قال إنك لم تنو. فقد  قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذا الوسواس يزول بالاستعاذة وانتهاء العبد وأن يقول إذا قال لم تغسل وجهك: بلى قد غسلت وجهي. وإذا خطر له أنه لم ينو ولم يكبر يقول بقلبه: بلى قد نويت وكبرت. فيثبت على الحق ويدفع ما يعارضه من الوسواس، فيرى الشيطان قوته وثباته على الحق فيندفع عنه، وإلا فمتى رآه قابلا للشكوك والشبهات مستجيبا إلى الوساوس والخطرات أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه وصار قلبه موردا لما توحيه شياطين الإنس والجن من زخرف القول، وانتقل من ذلك إلى غيره إلى أن يسوقه الشيطان إلى الهلكة. انتهى.

وللاطلاع على المزيد في علاج الوساوس راجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 1406 ، 51239 ، 51601

ثم إن النية عند إرادة الوضوء لا تحتاج إلى كبير جهد فيكفيك عند الشروع في الوضوء أن تعزم عليه ولا تتطلب أكثر من ذلك فالنية هي العزم، كما قال صاحب مختار الصحاح: نوى ينوي نية ونواه عزم. وعرفها السيوطي في الأشباه والنظائر نقلاً عن البيضاوي فقال: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً من جلب نفع أو دفع ضر حالاً أو مآلاً.

وقال النووي: هي القصد إلي الشيء والعزيمة على فعله.

وقال القرافي المالكي في تعريفها: هي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله.

فالنية محلها القلب ولا يحتاج استحضارها إلى كبير عناء ووسوسة بل هي مجرد قصد الإنسان للشيء وعلمه به، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: فإن النية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله نواه بغير اختياره، وأما إذا لم يعلم الشيء فيمتنع أن يقصده..... انتهى.

ولا يتصور في الأغلب فعل العاقل شيئا دون نية إذ كل فعل يفعله الإنسان العاقل لا بد أن يكون له قصد بذلك الفعل، ولذلك قال بعض العلماء لو كلف الإنسان أن يفعل شيئاً بلا قصد أي بلا نية لكان تكليفاً بما لا يطاق، فإذا أراد الأخ السائل الوضوء وتوضأ فقد حصلت النية بذلك، فلا ينبغي أن يسترسل مع الوسوسة فإنها شر مستطير تجعل الإنسان كأنه لا عقل له.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعلوم في العادة أن من كبر في الصلاة لا بد أن يقصد الصلاة، وإذا علم أنه يصلي الظهر نوى الظهر فمتى علم ما يريد فعله نواه ضرورة. انتهى.
 

 ومن كلام العلماء السابق يظهر لكَ أنك إذا عزمت بقلبك علي فعل المراد فقد نويت، فلماذا هذه الوسوسة؟ والله عز وجل لم يشق علي عباده فالأمر أيسرُ بكثيرٍ مما تظن، وأمر النية لا يحتاج إلي هذا التكلف بل كلُ أحدٍ مضطرٌ إلي نية ، بل لا يُتصور أن يوجد فعلٌ بلا نية.

فقد نص ابن الهمام الحنفي في فتح القدير على: أن الفعل الاختياري لابد في تحقيقه من القصد إليه.

وعدَّ شيخ الإسلام القصد إلى الفعل أمراً ضرورياً في النفس، فقد قال في مجموع الفتاوى: ولو كُلف العباد أن يعملوا عملاً بغير نية كُلفوا مالا يستطيعون.

فقيامك إلي الوضوء وفعلك أفعال الوضوء المقصودة كاف، فنحنُ ننصحك أن تُعرضَ عن كل هذه الوساوس وأن تقبل على عبادتك غيرَ شاكٍ في نيتك.

قال الشيخ العثيمين رحمه الله في شرح الأربعين النووية: فيستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات. أنه ما من عمل إلا وله نية, لأن كل إنسان عاقل مختار لا يمكن أن يعمل عملا بلا نية, حتى قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق. ويتفرع من هذه الفائدة الرد على الموسوسين الذين يعملون الأعمال عدة مرات ثم يقول لهم الشيطان إنكم لم تنووا . فإننا نقول لهم : لا, لا يمكن أبدا أن تعملوا عملا إلا بنية فخففوا على أنفسكم ودعوا هذه الوساوس . انتهى

وقد أخطأت في تكلف العلاج للمشكلة بالحلف فلا ينبغي للمسلم أن يكثر من الحلف فقد ذم الله تعالى كثرة الحلف فقال تعالى.: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. {القلم:10}.

ثم إن الحالف عدة أيمان على شيء واحد لا تلزمه إلا كفارة واحدة إذا حنث  عند جمهور أهل العلم، واستدلوا بما رواه عبد الرزاق والبيهقي وابن حزم بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا أقسمت مراراً فكفارة واحدة.
وقال ابن أبي زيد المالكي في الرسالة: وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة.
قال النفراوي في شرح الرسالة: ومقتضى كلامه أنه لو قصد التأسيس أوْ لا قَصْدَ له تتعدد عليه الكفارة وليس كذلك؛ بل المعتمد أنه لا تتعدد عليه، ولو قصد التأسيس والإنشاء، وأولى إن لم يقصد شيئاً.. وسواء كانت الأيمان في مجلس أو في مجالس...
وقال المقدسي في شرح العمدة وهو حنبلي المذهب: وإذا حلف بالله وصفاته كلها، أو كرر اليمين على شيء واحد مثل قوله عليه السلام: والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً.. ثم حنث فليس عليه إلا كفارة واحدة.

وقال خليل المالكي في المختصر عاطفاً على ما فيه كفارة واحدة: ووالله ثم والله.. وإن قصده. أي التأسيس. اهـ

ونقل صاحب مسالك الدلالة على الرسالة: أن سحنون روى عن عطاء في رجل حلف عشرة أيمان ثم حنث قال: إن كان في أمر واحد فكفارته واحدة، وأخرج عن عروة وابن جريج نحو ذلك. اهـ
وإذا تقرر هذا فمن إعراضك عن الاسترسال في أمور الوسوسة أن تعرض عن تتبع الأقوال فإن ذلك لا يزيدك إلا حيرة  .
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: