الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سرق جوالا واستعمله في طرق الخير .. فهل يثاب أم لا؟

السؤال

أعلم أن عقوق الوالدين خطير، لكن مثلا لو أنني أجبرت أمي على غسيل ملابسي وأنا أعلم أنه ذنب فهل لبسي فيما بعد للملابس حرام والصلاة فيها حرام بناء على أن ما بني على باطل فهو باطل؟ بمعنى: لو سرقت مثلا محمولا يكون الكلام فيه حراما؟ ولو كان الكلام في الخير لا آخذ ثوابه، وهذا سؤال افتراضي؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فعقوق الأم من كبائر الذنوب، فإذا أجبرت أمك على غسل ثيابك فالواجب عليك أن تتوب إلى الله تعالى، وتستسمح أمك، وأما لبسك لهذا الثوب وصلاتك فيه فجائز لا حرج فيه ولا تكون صلاتك بذلك باطلة، لأنها صلاة في ثوب مباح، وإنما المعصية أمر خارج عن فعل الصلاة منفك عنه فلم يكن له تأثير فيه.

وأما من سرق محمولا فقد ارتكب إثما عظيما وكبيرة من الكبائر، ولا يحل له استعماله ويجب عليه رده، ولكن إن تكلم فيه بخير هل يثاب أو لا؟ ينبني هذا على تصور انفكاك الجهة، فإن قلنا إن جهة الفعل هي عين جهة النهي وأنه لا يتصور انفكاك الجهة في هذه الصورة حكمنا بأنه لا يثاب على كلامه هذا، لأن استعماله لهذا المحمول المسروق محرم، ولا يتصور أن يكون العمل الواحد الذي هو الكلام في المحمول المسروق معصية وطاعة في نفس الوقت، وإذا قيل إن كلامه أمر خارج عن نفس سرقته وإن انفكاك الجهة متصور فإنه يثاب على كلامه مع كونه آثما على سرقته.

وأقرب نظير لهذه المسألة يناقشه الفقهاء والأصوليون في كتبهم هو مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة، يقول الشنقيطي ـ رحمه الله: ومثال الوحدة بالعين عند المؤلف ـ رحمه الله: الصلاة في الأرض المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حراما وبعضها مباحا، وإيضاح مراده: أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعدياً غصب فهو حرام، فهذا الركن الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده وهكذا، وشغل الفراغ المملوك لغيره تعدياً غصب فلا يمكن أن يكون قربة لامتناع كون الواحد بالعين واجبا حراما قربة معصية، لاستحالة اجتماع الضدين في شيء واحد من جهة واحدة فيلزم بطلان الصلاة المذكورة، ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة وهم الجمهور، قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان هو طاعة من أحداهما ومعصية من أحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاة قربة، ومن حيث هي غصب معصية، فله صلاته وعليه غصبه، فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا فهي رد، للحديث الصحيح: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ـ فيقول خصمه: الصلاة في نفسها من أمرنا فلست برد وإنما الغصب هو الذى ليس من أمرنا فهو رد. انتهى.

وتنزيل البحث على مسألتنا يتضح به ما ذكرناه وأن هذه المسألة مما يدخل في خلاف الفقهاء في قاعدة انفكاك الجهة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني