الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا حد لأكثر مدة الإجارة وليس لولي الأمر تصحيح العقود الباطلة

السؤال

هل الشريعة الإسلامية تجيز بأن تكون مدة عقد الإيجار ما بين 50-90 سنة؟
وهل يجوز لولي الأمر أن يقيد المباح، ويجعل عقد الإيجار ممتدا لمدة غير محدودة بقوة القانون، مع ثبات القيمة الإيجارية على مدار سنوات طويلة جدا؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اتفق الفقهاء على اشتراط كون مدة الإجارة محددة معلومة، في إجارة الأعيان، كما اتفق جلهم كذلك على أنه لا حدّ لأكثر مدة الإجارة، ما دامت العين صالحة للإجارة.

قال الشيخ منصور في شرحه على المنتهى: فَتَصِحَّ (وَإِنْ طَالَ) الْأَمَدُ; لأَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْمُسْتَأْجِرِ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا غَالِبًا. انتهى.

وقال ابن قدامة في المغني: ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة، بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت. وهذا قول كافة أهل العلم. إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه، فمنهم من قال: له قولان؛ أحدهما، كقول سائر أهل العلم. وهو الصحيح، الثاني لا يجوز أكثر من سنة؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها. ومنهم من قال: له قول ثالث، أنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة؛ لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها، وتتغير الأسعار والأجر.

ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب - عليه السلام -، أنه قال: {على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك} [القصص: 27] ، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يقم على نسخه دليل؛ ولأن ما جاز العقد عليه سنة، جاز أكثر منها، كالبيع، والنكاح، والمساقاة، والتقدير بسنة، وثلاثين، تحكم لا دليل عليه، وليس ذلك أولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه. انتهى.

وانظر الفتوى رقم: 166439.
ولولي الأمر تقييد المباحات بما فيه مصلحة الأمة كما قررناه في الفتويين: ‎104396 ، 226771 ، ولكن ليس له أن يضع قانونا يصحح العقود الباطلة، كتصحيح عقود الإجارة التي مدتها غير محددة؛ لأن ذلك عقد باطل في الشرع، وليس هذا من تقييد المباحات، بل من إحقاق الباطل، وإبطال الحق، وليس للقانون أن يصحح ما أبطله الشرع. فهذه عقود باطلة عند الفقهاء؛ لما فيها من الغرر، والجهالة بالمنفعة المعقود عليها؛ لأن المدة هي التي تضبط قدر المنفعة.

ولمزيد من الفائدة راجع الفتويين التاليتين: 104050 ، 179523 .
وأما ثبات الأجرة على مدار سنوات العقد المحدد المدة، فهذا هو الأصل؛ لأن الأجرة عوض المنفعة، فإذا كانت المنفعة المتعاقد عليها مقدرة، والأجرة مقدرة عند التعاقد، فاختلاف القيمة السوقية للمنفعة بعد سنوات، لا أثر له؛ لأن المنافع كالأعيان تختلف أثمانها من حين لآخر، ولو أننا أجزنا الفسخ كلما تغيرت الأسعار، لما استقر عقد.

لكن جاء في "المعايير الشرعية" الصادرة عن هيئة المحاسبة، والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، جواز الاتفاق بين طرفي عقد الإجارة على ربط الأجرة بمؤشر منضبط؛ لانتفاء الجهالة والمنازعة عند ذلك، كما في المعيار التاسع البند: "1/2/5 : يجوز أن تكون الأجرة نقوداً أو عيناً ( سلعة ) أو منفعة ( خدمة ). ويجب أن تكون الأجرة معلومة، ويجوز تحديدها بمبلغ للمدة كلها، أو بأقساط لأجزاء المدة. ويجوز أن تكون بمبلغ ثابت، أو متغير بحسب أي طريقة معلومة للطرفين (انظر البند 3/2/5).
وجاء في البند المحال إليه:"3/2/5: في حالة الأجرة المتغيرة يجب أن تكون الأجرة للفترة الأولى محددة بمبلغ معلوم. ويجوز في الفترات التالية اعتماد مؤشر منضبط، ويشترط أن يكون هذا المؤشر مرتبطاً بمعيار معلوم لا مجال فيه للنـزاع؛ لأنه يصبح هو أجرة الفترة الخاضعة للتحديد، ويوضع له حد أعلى، وحد أدنى. اهـ

وهذا قد يكون حلا مناسبا لعلاج تغير قيم المنافع، تغيرا فاحشا في عقود الإجارة الطويلة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني