الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدلة على سقوط نفقة الناشز
رقم الفتوى: 292666

  • تاريخ النشر:الأربعاء 26 جمادى الآخر 1436 هـ - 15-4-2015 م
  • التقييم:
30990 0 259

السؤال

أريد أن أستفسر عن سقوط النفقة حال النشوز، وما هو دليله؟ وقد زاده العلماء، ولم يجعله الله سببًا للعلاج؛ فقد ذكر فقط الوعظ والهجر والضرب، ثم التحاكم.
وكيف نستسيغ معاقبة الزوجة بالتجويع وأهل الدار يأكلون وهي تنظر؟ قد نفهم هذا وهي تاركة بيت الزوجية، أما داخل البيت ففيه إشكال! وكيف ينفع الوعظ مع التجويع؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى إسقاط نفقة المرأة الناشز -غير الحامل- في فترة نشوزها، ولم يخالف في ذلك إلا قلة من العلماء؛ جاء في تفسير القرطبي: قال ابن المنذر: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعًا بالغين إلا الناشز منهن الممتنعة. وقال أبو عمر: من نشزت عنه امرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملًا. وخالف ابن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة الناشز فأوجبها. اهـ.

وفي المغني لابن قدامةفمتى امتنعت من فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها، أو من السفر معه، فلا نفقة لها ولا سكنى، في قول عامة أهل العلم؛ منهم: الشعبي، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور. وقال الحكم: لها النفقة. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها.

ولنا: أن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها، بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة، كما قبل الدخول وتخالف المهر؛ فإنه يجب بمجرد العقد، ولذلك لو مات أحدهما قبل الدخول وجب المهر دون النفقة. اهـ.

وفي شرح زاد المستقنع للشنقيطي: فإذا نشزت وأصبحت تخرج بدون إذنه، فحينئذ يسقط حقها في النفقة؛ لأن له عليها حق السمع والطاعة بالمعروف، كما قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:34]. وقد أجمع العلماء -رحمهم الله- على أن المرأة إذا نشزت سقط حقها في النفقة، إلا خلافًا شاذًّا لبعض العلماء فقال: لها النفقة. وهو قول الحكم، لكن الصحيح هو ما ذهب إليه جماهير السلف والخلف -رحمهم الله- من أن النشوز يوجب سقوط حق المرأة. اهـ.

وإن كانت الناشز حاملًا فقد تقدم ذكر خلاف العلماء في وجوب نفقتها، وذلك في الفتوى رقم: 159665.

أما الدليل على إسقاط نفقة الناشز فهو: أن النفقة وجبت مقابل تمكين الزوجة من نفسها، فإذا امتنعت من ذلك سقط حقها فيها، كالبائع إذا رفض تسليم المبيع فإنه يسقط حقه في الثمن، ومعلوم أن العقد شريعة المتعاقدين؛ فإذا أخل أحد المتعاقدين بما عليه من واجب سقط ما له من حق يقابله.

ومن الأدلة كذلك: أن الله أمر بهجرها في المضجع، وأسقط حقها فيه لنشوزها، فمن باب أولى إسقاط نفقتها؛ جاء في فقه السنة: إذا لم تسلم نفسها إلى زوجها، أو لم تمكنه من الاستمتاع بها، أو امتنعت من الانتقال إلى الجهة التي يريدها، ففي هذه الحالات لا تجب النفقة حيث لم يتحقق الاحتباس الذي هو سببها، كما لا يجب ثمن المبيع إذا امتنع البائع من تسليم المبيع، أو سلم في موضع دون موضع. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها ودخلت عليه بعد سنتين ولم ينفق عليها إلا من حين دخلت عليه، ولم يلتزم نفقتها لما مضى. اهـ
وفي المبسوط للسرخسي: وَإِذَا تَغَيَّبَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا، أَوْ أَبَتْ أَنْ تَتَحَوَّلَ مَعَهُ إلَى مَنْزِلِهِ، أَوْ إلَى حَيْثُ يُرِيدُ مِنْ الْبُلْدَانِ، وَقَدْ أَوْفَاهَا مَهْرَهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا نَاشِزَةٌ، وَلَا نَفَقَةَ لِلنَّاشِزَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ فِي حَقِّ النَّاشِزَةِ بِمَنْعِ حَظِّهَا فِي الصُّحْبَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء: 34]. فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تُمْنَعُ كِفَايَتَهَا فِي النَّفَقَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي الصُّحْبَةِ لَهُمَا وَفِي النَّفَقَةِ لَهَا خَاصَّةً، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ بِتَسْلِيمِهَا نَفْسَهَا إلَى الزَّوْجِ وَتَفْرِيغِهَا نَفْسَهَا لِمَصَالِحِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ صَارَتْ ظَالِمَةً، وَقَدْ فَوَّتَتْ مَا كَانَ يُوجِبُ النَّفَقَةَ لَهَا بِاعْتِبَارِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا. اهـ.

ثم إننا ننبه إلى أن إسقاط "نفقة الناشز"، ليس أمرًا حتميًّا يجب على الزوج  فعله إذا نشزت، بل الأولى له الإنفاق عليها، كما سبق التنبيه عليه في الفتوى رقم: 97063.

وبالتالي؛ فكل ما في الأمر أن الزوجة لها حق النفقة وجوبًا على زوجها، فإذا نشزت وخرجت عن طاعته فإن هذا الحق لم يعد واجبًا لها لزوال سبب وجوبه -كما تقدم-.

وليس في هذا ما يتنافى مع وعظها ونصحها وتذكيرها بما عليها من حقوق.

بل قد يكون -في بعض الحالات- مكملًا لذلك؛ فيردعها عن النشوز، لا سيما إذا طالت مدة نشوزها، وكانت خارج البيت.

وبهذا يسقط الاعتراض الوارد في قولك: "وقد زاده العلماء، ولم يجعله الله سببًا للعلاج؛ فقد ذكر فقط الوعظ والهجر والضرب، ثم التحاكم. وكيف نستسيغ معاقبة الزوجة بالتجويع وأهل الدار يأكلون وهي تنظر ... الخ".

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: