الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم لعن من فعل سببا من الأسباب الموجبة للعن
رقم الفتوى: 300136

  • تاريخ النشر:الإثنين 28 شعبان 1436 هـ - 15-6-2015 م
  • التقييم:
4298 0 154

السؤال

السؤال: ما حكم قول: أنت ملعون. لشخص رفع على صاحبه حديدة، أو فعل شيئا يستحق اللعن.
فهل يجوز ذلك أو لا؟
وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فلا شك أن الإشارة للمسلم بحديدة حرامٌ، وهو من موجبات اللعن؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه. رواه مسلم.

 قال النووي: فيه تأكيد حرمة المسلم، والنهي الشديد عن ترويعه، وتخويفه، والتعرض له بما قد يؤذيه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وإن كان أخاه لأبيه وأمه) مبالغةٌ في إيضاح عموم النهي في كل أحد، سواء من يُتَّهم فيه، ومن لا يُتهم، وسواء كان هذا هزلاً ولعبًا أم لا؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال، ولأنه قد يسبقه السلاح، كما صرح به في الرواية الأخرى. ولَعْنُ الملائكة له يدل على أنه حرام. انتهى.

هذا، وإن استحقاق شخص للعن؛ لإشارته لأخيه المسلم بحديدة، أو لغير ذلك من الأسباب الموجبة للعن كأن يكون مرابياً، أو شارباً للخمر، أو راشياً، أو مرتشياً؛ فليس معناه أنه يُشرع لعنه بعينه؛ بل اللعن متوجه لعموم الفاعلين لذلك الشيء الموجب للعن، لا لشخصٍ معين، كأن يقال: لعنة الله على المرابين، والسكارى؛ وذلك لعموم النهي عن اللعن في قوله صلى الله عليه وسلم: لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ. رواه أحمد بإسناد صحيح، وقوله: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ، وَلَا بِلَعَّانٍ، وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ. رواه أحمد وصححه الأرناؤوط، وقوله: لَا يَنْبَغِي لِلصَّدِيقِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا. رواه أحمد بإسناد صحيح.

وقد منع جماهير العلماء لعن شخص على وجه الخصوص، بل نقل ابن العربي المالكي الاتفاق على المنع؛ وذلك لما في صحيح البخاري عن عمر من أن عبد الله بن حمار تكرر منه شرب الخمر، فلعنه بعض الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه، فإنه يحب الله، ورسوله.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا مع أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وشاربها، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن - عموماً - شارب الخمر، ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين... لجواز تخلف المقتضي عن المقتضى لمعارض راجح؛ إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة. انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم؛ فالأول ممنوع، والثاني جائز، فإذا رأيت من آوى محدِثًا؛ فلا تقل: (لعنك الله)، بل قل: (لعن الله من آوى محدثًا)، على سبيل العموم، والدليل على ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما صار يلعن أناًسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: (اللهم العن فلانًا، وفلانًا، وفلانًا)؛ نُهي عن ذلك بقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]، فالمعين ليس لك أن تلعنه، وكم من إنسان صار على وصف يستحق به اللعنة، ثم تاب، فتاب الله عليه. انتهى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: