الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقوال الفقهاء في المكرهة على فعل الفاحشة
رقم الفتوى: 31292

  • تاريخ النشر:الإثنين 26 صفر 1424 هـ - 28-4-2003 م
  • التقييم:
8829 0 426

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتههل يجوز للمكرهة على الفاحشة فعل ذلك بتهديد معتبر بقتل ولدها أو زوجها ونحو ذلك؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فالزنى كبيرة من الكبائر، حرم الله تعالى قربها فضلاً عن فعلها، لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وهتك الأعراض وغير ذلك، قال الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المدافع عن عرضه حتى الموت في مقام الشهداء، فقال: ...... ومن قتل دون أهله فهو شهيد..... رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وقال الترمذي حسن صحيح وصححه الألباني أيضاً.
والحديث لا يدل على وجوب ذلك عليه، بل هو للمشروعية، فقد قال في تحفة الأحوذي: المؤمن محترم ذاتاً ودماً وأهلاً ومالاً، فإذا أريد منه شيء من ذلك جاز له الدفع عنه، فإذا قتل بسببه فهو شهيد. انتهى.
وهذا يدل على أهمية الحفاظ على العرض، والحرص على صيانته والدفاع عنه، لكن قد يتعرض المرء أحياناً للإكراه على الأفعال المحرمة التي لا يرضى بفعلها حال السعة والاختيار، فإذا حصل ذلك، فإنه يُراعي أعلى المصلحتين، ويدفع أعلى المضرتين، فارتكاب الضرر الأدنى تفادياً للضرر الأعلى مما أقرته شريعة الإسلام، وارتضته العقول والأفهام، قال الله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119].
وليُعلم أن الإكراه المعتبر عند جمهور العلماء هو التهديد بإتلاف النفس أو الأعضاء، أو ما شابه ذلك مما يشق على النفس تحمله، أما مجرد الشتم والسب والتشهير، فليس ذلك من نوع الإكراه المعتبر عندهم، وجمهور العلماء على أنه تستوي مباشرة هذه الأمور على المكره مع توعده بها أو تهديده بفعلها، وهو ما ذهب إليه أحمد في رواية وبه يقول أبو حنيفة والشافعي، لأنه إنما أبيح له فعل المكره عليه دفعاً لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد.
وللإكراه المعتبر شروط بيناها في الفتاوى ذات الأرقام التالية: 24683، 23139، 19424.
هذا بالنسبة للمكره، أما إذا كان الوعيد أو الإتلاف لغير المكره، فقد اختلف الفقهاء في حكم المكره في هذه الحالة، فذهب بعض الحنفية إلى أن الوعيد إذا وقع على والد المكره أو ولده أو ذي رحم محرم، فإنه يحقق له الإكراه الذي يعذر معه بفعل المحرم.
قال ابن عابدين في رد المحتار: والإكراه بحبس الوالدين أو الأولاد لا يُعد إكراهاً، لأنه ليس بملجئ، ولا يُعدم الرضا بخلاف حبس نفسه. انتهى.
لكن في الشرنبلالية عن المبسوط: أنه قياس، وفي الاستحسان حبس الأب إكراه، وذكر الطوري أن المعتمد أنه لا فرق بين حبس الوالدين والولد في وجه الاستحسان، زاد القهستاني: أو غيرهم من ذوي رحم محرم، وعزاه للمبسوط. انتهى.
أما المالكية فيرون أن الوعيد ليس إكراها، لو وقع على أجنبي إلا الولد والوالد والأخ في بعض الأحوال.
قال الشيخ عليش في منح الجليل: لا يكون المكلف مكرهاً بخوف قتل شخص أجنبي أو أخذ ماله بالأولى، وتقدم في كلام ابن عرفة أن خوف قتل الوالد والأخ إكراه في بعض الأحوال، فيؤخذ أن المراد بالأجنبي ما عدا الولد والوالد والأخ في بعض الأحوال. انتهى.
ويتفق الشافعية مع بعض الحنفية في ما ذهبوا إليه، والذي وصفه بعضهم بالمعتمد كما سبق.
قال الشوبري في حاشيته على أسنى المطالب: وإتلاف الولد والوالد وذي الرحم المحرم أو إتلاف عضو أحدهم. انتهى.
يعني أن كل ذلك يعتبر إكراهاً للمكره، وإن وقع على غيره.
وذهب الحنابلة إلى أن الإتلاف إذا وقع على الولد أو الوالد، فإنه يكون إكراهاً، قال السفاريني في شرح منظومة الآداب: وإن أكرهه بتعذيب ولده، فقالت طائفة: لا يكون إكراهاً، والمعتمد في المذهب بلى. ويتجه مثل ولده كل من يشق عليه تعذيبه مشقة عظيمة من والد وزوجة وصديق كما في القواعد الأصولية لابن اللحام. انتهى.
وقال أيضاً: قال الشيخ تقي الدين -ابن تيمية- قدس الله روحه: إذا غلب على ظنه أنه يضره في نفسه أو أهله أو ماله فإنه يكون مكرهاً، ولا فرق بين كون الإكراه من سلطان أو لص أو متغلب نص عليه. انتهى.
وما ذكره الحنابلة هو الراجح، لأنهم راعوا العلة وهي لحوق المشقة على النفس بوقوع الضرر، وهذا لا يحد المسألة في الوالد والولد فقط بل يتعداها إلى الزوج والأخ ونحوه.
وبناء على ذلك.. فإن المرأة إذا أكرهت على الزنا إكراهاً ملجئاً ولم تستطع الدفاع عن نفسها في مقابل افتداء نفس ولدها أو زوجها ونحوهما ممن تلحقها المشقة بإيذائهم، جاز لها ذلك، ويشرع لها الدفاع عن نفسها حتى الموت، كما يُشرع لزوجها وولدها كذلك، كما قدمنا في صدر الجواب، وقد نص بعض الفقهاء على هذه المسألة.. فقد قال الصعيدي العدوي المالكي في حاشيته على شرح الخرشي لخليل: قوله: لا لمن يزني بها، فيباح لها، وتتناول ما يشبعها لا قدر ما يسد رمقها فقط، والظاهر أن مثل ذلك سد رمق صبيانها إن لم تجده إلا لمن يزني بها قياساً على قوله أو قتل ولده. انتهى.
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: