الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

توجيه أهل العلم قول عثمان عن متعة الحج: ولكنا كنا خائفين

السؤال

ما هو توجيه حديث عثمان عندما تحدث عن متعة الحج: ولكنا كنا خائفين؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فالحديث الذي أشرت إليه، قد رواه الإمام مسلم, وغيره. ولفظ مسلم: عن قتادة، قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي: كلمة، ثم قال علي: " لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أجل، ولكنا كنا خائفين.
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، معلقا علي هذا الحديث: المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان، هي التمتع المعروف في الحج، وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم، وإنما نهيا عنها؛ لأن الإفراد أفضل. فكان عمر وعثمان يأمران بالإفراد؛ لأنه أفضل، وينهيان عن التمتع نهي تنزيه؛ لأنه مأمور بصلاح رعيته، وكان يرى الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم، والله أعلم.

قوله: (ثم قال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أجل، ولكن كنا خائفين) فقوله: أجل، بإسكان اللام، أي نعم. وقوله: كنا خائفين، لعله أراد بقوله خائفين، يوم عمرة القضاء سنة سبع، قبل فتح مكة، لكن لم يكن تلك السنة حقيقة تمتع، إنما كان عمرة وحدها. قوله: (فقال عثمان دعنا عنك، فقال يعني عليا: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك، أهل بهما) ففيه إشاعة العلم وإظهاره، ومناظرة ولاة الأمور وغيرهم في تحقيقه، ووجوب مناصحة المسلم في ذلك، وهذا معنى قول علي: لا أستطيع أن أدعك.

وأما إهلال علي بهما، فقد يحتج به من يرجح القران. وأجاب عنه من رجح الإفراد، بأنه إنما أهل بهما ليبين جوازهما؛ لئلا يظن الناس، أو بعضهم أنه لا يجوز القران ولا التمتع، وأنه يتعين الإفراد والله أعلم. انتهى.

وللحافظ ابن حجر تعليق على عبارة: "ولكنا كنا خائفين" حيث حكم بشذوذها, حيث قال في الفتح: زاد مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، عن عثمان قال: أجل، ولكنا كنا خائفين. قال النووي: لعله أشار إلى عمرة القضية سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقة تمتع، إنما كان عمرة وحدها.

قلت: هي رواية شاذة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم، وسعيد بن المسيب، وهما أعلم من عبد الله بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتع إنما كان في حجة الوداع. وقد قال بن مسعود -كما ثبت عنه في الصحيحين-: كنا آمن ما يكون الناس. وقال القرطبي: قوله: خائفين، أي من أن يكون أجر من أفرد، أعظم من أجر من تمتع. كذا قال، وهو جمع حسن. ولكن لا يخفى بُعده، ويحتمل أن يكون عثمان أشار إلى أن الأصل في اختياره صلى الله عليه وسلم فسخ الحج إلى العمرة في حجة الوداع، دفع اعتقاد قريش منع العمرة في أشهر الحج، وكان ابتداء ذلك بالحديبية؛ لأن إحرامهم بالعمرة كان في ذي القعدة، وهو من أشهر الحج. وهناك يصح إطلاق كونهم خائفين، أي من وقوع القتال بينهم وبين المشركين، وكان المشركون صدوهم عن الوصول إلى البيت، فتحللوا من عمرتهم، وكانت أول عمرة وقعت في أشهر الحج، ثم جاءت عمرة القضية في ذي القعدة أيضا، ثم أراد صلى الله عليه وسلم تأكيد ذلك بالمبالغة فيه، حتى أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. انتهى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني