الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل المكتوب في اللوح المحفوظ لا انقطاع له؟
رقم الفتوى: 392560

  • تاريخ النشر:الأحد 19 جمادى الآخر 1440 هـ - 24-2-2019 م
  • التقييم:
2150 0 38

السؤال

أريد منكم أن توضحوا لي بشكل مبسط واضح المكتوب في اللوح المحفوظ، وإلى أي حد ينتهي ما كتب؟ وشكرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: 

فالذي يظهر لنا أن المكتوب في اللوح المحفوظ ينتهي إلى يوم القيامة، ودخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ ومن ثم، فله حد ينتهي إليه، وليس مستمرًّا في الأبد بغير انقطاع؛ وإلا فما لا يتناهى لا ينحصر، وتأتي عليه الكتابة.

فإن قيل: قد ثبت في السنة، كما في حديث عبادة المشهور: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد. رواه الترمذي، وغيره.

قيل: هذا الحديث ورد بألفاظ أخرى مقيدة بيوم القيامة، أو قيام الساعة، فلفظه في مسند الإمام أحمد، وغيره: فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. ولفظه عند أبي داود، وغيره: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.

قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: (حتى تقوم الساعة) يعني كتب كل ما يكون إلى يوم القيامة. أي: جرى على اللوح المحفوظ بذلك. اهـ.

فيحمل اللفظ المطلق على المقيد؛ تخلصًا من الإشكال الذي سبقت الإشارة إليه، من كون ما لا يتناهى لا يمكن حصره بالكتابة؛ ولذلك استشكل القاري في شرح المشكاة لفظ رواية الترمذي، وقال: ظهر لي فيه إشكال، والله أعلم بالحال، وهو: أن ما لا يتناهى في المآل كيف ينحصر، وينضبط تحت القلم في الاستقبال؟! سيما مع قوله - عليه الصلاة والسلام -: (جفَّ القلم). اللهم إلا أن يقال: المراد به كتابة الأمور الإجمالية الكلية، لا الأحوال التفصيلية الجزئية، وهو خلاف ظواهر الأدلة المروية، ثم رأيت الأبهري نقل عن زين العرب أن الأبد هو الزمان المستمر غير المنقطع، فالجمع بينه وبين (إلى) ممتنع؛ لأنه لا يمكن وصول شيء إليه حتى ينتهي!! قلت: يحمل (الأبد) على الزمان الطويل اهـ.

وفيه أن الزمان الطويل - والله أعلم - أنه انقراض العالم، أو استقرار الفريقين في الموضعين، ويلزم منه أن لا تكون أحوال الدارين مكتوبة، والله أعلم.

ثم رأيت في الدر المنثور نقلًا عن ابن عباس: "أن أول شيء خلقه الله القلم؛ فقال له: اكتب. فقال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب القدر يجري من ذلك بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب، ورفع القلم". رواه البيهقي، وغيره، والحاكم، وصححه. وفي الدرّ أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول شيء خلق الله القلم، ثم النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل، أو أثر، أو رزق، أو أجل، فكتب ما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ختم على فم القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة" أخرجه الحكيم الترمذي. اهـ.

وقال المباركفوري في شرح المشكاة: (إلى الأبد) قيل: الأبد هو الزمان المستمر غير المنقطع، لكن المراد منه ها هنا الزمان الطويل، يدل عليه رواية ابن عباس عند البيهقي، والحاكم، ففيها: ((إلى أن تقوم الساعة)). اهـ.

وقال الميرتهي في تحقيق شرح صحيح البخاري لمحمد أنور شاه الكشميري: ورد عليه أن ما يكون إلى الأبد غير متناهٍ، يستحيل كتابته في الزمان المتناهي.

فأجابوا عنه: أن المراد من الأبد، هو يوم القيامة؛ لما في "الدر المنثور" عن أبي هريرة مرفوعًا، وفيه قال: "ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة". انتهى. وقد رواه أبو داود أيضًا، وإذا ورد أحد اللفظين مكان الآخر، دلّ نفس الحديث أن الأبد قد يعتبر إلى يوم القيامة أيضًا. اهـ.

وحمل الأبد على الزمن الطويل دون المستمر من غير انقطاع، أمر غير مستنكر؛ ولذلك صح جعل الأبد إلى غاية، كما في قوله تعالى: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] وقال الراغب في المفردات: تأبّد الشيء: بقي أبدًا، ويعبّر به عما يبقى مدة طويلة. اهـ.

وأورد الألوسي هذا الإشكال في عدة مواضع من تفسيره، عند قوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، وعند قوله سبحانه: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:75]، وقوله عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22]، وبيّن وجه الإشكال بأن اللوح المحفوظ عند المسلمين جسم، وكل جسم متناهي الأبعاد، كما تشهد به الأدلة، وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف لنا دفعة، مقتض لكون المتناهي ظرفًا لغير المتناهي، وهو محال بالبديهة.

وأجاب عن ذلك باحتمالات، واختار منها ما قدمناه، فقال: والذي يترجح عندي أن ما كتب في اللوح ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وهو متناه. وبعض الآثار تشهد بذلك، والمطلق منها محمول على المقيد. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: