الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحكام الناشز والمخالفة للشرع في تصرفاتها وعبادتها

السؤال

نحن لم نرزق بأبناء، فقامت زوجتي بالاعتكاف دون إذن مني، مع العلم أن الاعتكاف كان في أيام دورتها، ولكنها قررت من نفسها أن هذا ليس دم حيض، ولكن دم استحاضة، وكانت تصلي، وتقيم الليل، وتقرأ القرآن على ماء، وتغتسل منه، وامتنعت عن الطعام، وعاشت على البلح والماء لمدة عشرة أيام، وامتنعت عن الكلام، وقاطعت أهلها، ولم تقم بواجباتها المنزلية من تجهيز الطعام، وتنظيف البيت لمدة 15 يوما، مما سبب لي إزعاجا، وسبب إزعاجا لوالدتها، وكانت تغلق على نفسها الأبواب، وتقرأ القرآن، فكنت أخاف عليها من الإغماء، وخاصة نحن في غربة، فحذرتها من إغلاق الباب، وفي يوم دخلتُ المنزل، ووجدتُ الباب مغلقا، فقلت لها: علي الطلاق لو قفلت أي باب مرة أخرى على نفسك، تكونين طالقة، وكنت في حالة ضيق من تصرفاتها، فأرادت والدتها أن تكلمها، فدخلت، وأغلقت الباب على نفسها تهربا من والدتها.
مع العلم أنها لم تكلمها لمدة 12 يوما، فقلت لها: افتحي الباب؛ لأن هذا يمين طلاق، ففتحت الباب مرة أخرى، وقد حلفت، وفي شك أنها كانت في هذه الليلة طاهرة، ثم بعد ذلك عادت إلى حياتها الطبيعية، ولكن قالت لي: اعتبرني ناشزا، ولم تعطني حقوقي الزوجية، وقالت: اذهب وتزوج لكي تنجب أطفالا، وإني أشك في زواجي منك، وإنك طلقتني قبل ذلك طلقتين، وهذا لم يصدر مني، وأنا على يقين بذلك؛ لأني لا أريد أن أطلقها، وليس لدي نية أو عزم للطلاق. أنا كنت أحلف بالطلاق معها نتيجة للتشاجر والغضب، ولكن نيتي لا تكون من أجل الطلاق، ولكن لإثبات أن كلامي صحيح، أو منعها من شيء ما، وذلك على مدار خمس سنوات، وقمت بإخراج 100 ريال كفارة يمين.
فسؤالي: هل هذا يعتبر طلاقا؟ وهل تصرفاتها تلك صحيحة؟ ولو استمرت على هذا الحال- هل لها حقوق عندي إذا أرادت الطلاق، وهي تهجرني وناشز مني؟ مع العلم أن اعتكافها هذا بدعة، ولكنها أرادت أن تقلد سيدنا زكريا -عليه السلام- والسيدة مريم في الصوم عن الكلام، وأنا غير راض عن ذلك، ووالدتها أيضا غضبانة جدا منها، ومن تصرفاتها، ولكن تقول إني لا أريد من هذه الحياة إلا رضا الله عز وجل، ولا يهمها غضب الزوج، أو هجره، أو غضب والدتها، وخاصة أنها تحفظ القرآن، ودكتورة في جامعة الأزهر، وأنا مهموم جدا من تصرفاتها، وخاصة أني مغترب، وأنفقت نقودا كثيرة لكي أحضرها إلى هنا، وتحملت ظروفها؛ لأن قدرتها على الإنجاب ضعيفة، ولكن فجأة أرادت أن تهجرني، وتقول راحتي في البعد عنك.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالذي عليه أكثر أهل العلم أنّ من حلف بالطلاق، وحنث في يمينه وقع طلاقه، سواء قصد بيمينه إيقاع الطلاق، أو قصد مجرد التهديد والتأكيد، وهذا هو المفتى به عندنا، لكن بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- يجعل الحالف بالطلاق للتهديد أو التأكيد كالحالف بالله، فإذا حنث في يمينه لزمته كفارة يمين ولم يلزمه طلاق، وانظر الفتوى: 11592.

وعليه؛ فالمفتى به عندنا؛ وقوع الطلاق بحنثك في يمين الطلاق، حيث أغلقت زوجتك الباب بعد حلفك عليها بالطلاق ألا تغلقه، وأمّا على قول ابن تيمية –رحمه الله- فما دمت لم تقصد إيقاع الطلاق، فلم يقع، وعليك كفارة يمين.

وأمّا بخصوص تصرفات زوجتك المذكورة، كاعتكافها دون إذنك، وهجرها لك، وامتناعها من الفراش دون عذر، وهجر أمّها، وصومها عن الكلام؛ فكل ذلك مخالف للشرع، وما دامت ناشزاً فهي عاصية لربها، ولا تجب عليك نفقتها، ويجوز لك أن تضيق عليها حتى تخالعك على إسقاط مهرها أو بعضه.

قال ابن عثيمين –رحمه الله- في الشرح الممتع على زاد المستقنع: وقوله: «أو نشوزها»، وهو معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها، فإذا صار عندها نشوز وعضلها وضيق عليها لتفتدي فلا حرج. انتهى.

والذي ننصحك به أن تبين لزوجتك أنّ طاعة زوجها في المعروف واجبة شرعاً، وأنّ من أفضل ما تلتمس به رضا الله تعالى طاعة زوجها، وبرّ والديها، وأنّ هجرها لأمّها من أكبر الكبائر، وأنّ التقرّب إلى الله تعالى لا يكون إلا بما شرع، فإن رجعت إلى المعاشرة بالمعروف، وإلا فلا حرج عليك في مفارقتها بطلاق أو خلع.

واعلم أنّ الحلف المشروع هو الحلف بالله تعالى، وأما الحلف بالطلاق فهو من أيمان الفساق، وقد يترتب عليه ما لا تحمد عقباه.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني