الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحكام المعتوه وعباداته وتصرفاته وتزويجه وضربه تأديبا

  • تاريخ النشر:الإثنين 26 ربيع الأول 1443 هـ - 1-11-2021 م
  • التقييم:
رقم الفتوى: 442402
1032 0 0

السؤال

أختي معاقة ذهنيا من الطائفة المنغولية -متلازمة داون-، والسؤال: هل سيحاسبها الله؟ فهي تعقل كل شيء تقريبا، ماعدا أمور الدراسة فقط، ولديها تلعثم خفيف في الكلام.
وهل نلزمها بشيء من الدين؛ كالحجاب، والملابس الواسعة؟ فإن أهلي يتساهلون في هذه الأمور.
وقد عودوها فقط على الصيام، فاعتادته، ولم يعودوها على الصلاة، ولم يهتموا بتعليمها العقيدة، وسمحوا لها بمشاهدة الأفلام والمسلسلات والأغاني، وألبسوها البنطال، ووضعوا لها المكياج، ولم يبالوا بظهور بعض خصل الشعر -قصة- في مقدمة الرأس، ولم توليها أمي -حفظها الله- اهتماما كاهتمامنا، على أساس أنه لا ثمرة مرجوة من هذا، كالثمرة المرجوة من أصحاب العقول. فهل تأثم أمي بذلك؟
وهل نأثم إن لم نزوجها؟ أم نكون بذلك تجنينا إذا حدث حمل، فتكون أمه غير كاملة العقل، وقد نكون بذلك تجنينا عليها هي شخصيا، فقد يستغلها هذا الزوج -إن وجد-.
وإذا كان حدث تقصير في هذه النواحي، فهل هناك إثم؟ وما الواجب لتداركه؟ وما هي حقوقها؟ وما هي واجباتها؟
فإنها قد ترفع صوتها أحيانا في مشاجرات مع إخوتي الصغار، فيغتاظ أبي، وينهال عليها بالضرب، والسباب، والتلفظ بسب الدين، ولا أستطيع أن أدفع عنها؛ لأنه لن يستجيب لي، وقد يتحوَّل عليَّ.
وهل اللعنة تصيبني حين لم أدفع عنها؛ استنادا لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ولا يقفَنَّ أحدُكم موقفًا يُضرَبُ فيه رجلٌ ظلمًا، فإن اللعنةَ تنزلُ على من حضرَه حينَ لم يدفَعوا عنه؟
وهل من الممكن أن يعافيها الله -سبحانه وتعالى- وتصبح عاقلة؟ وهل لي أن أدعو بهذا أم يعتبر هذا من التعدي في الدعاء؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله أن يتولى أختك بعنايته، وأن يحيطها برعايته.

واعلمي أن مرضى البلاهة المنغولية يختلفون في درجات مرضهم، لكنهم في الغالب -كما هو وصفت أختك- يتمتعون بعقول ضعيفة ناقصة، وبالتالي لهم أحكام المعتوهين والصبيان المميزين، وهم غير مكلفين عند عامة العلماء، بل يثابون على الطاعات إن فعلوها، ويؤمرون بها على سبيل الإرشاد والندب، ولا يأثمون بترك الطاعات، ولا ارتكاب المحرمات.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: العته عند الفقهاء والأصوليين آفة توجب خللا في العقل، فيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، وكذا سائر أموره.

والفرق بين الجنون والعته، أن المعتوه قليل الفهم مختلط الكلام، فاسد التدبير، لكن لا يضرب، ولا يشتم بخلاف المجنون. وصرح الأصوليون بأن حكم المعتوه حكم الصبي المميز، إلا أن الدبوسي قال: تجب عليه العبادات احتياطا، وقال صدر الإسلام: إن العته نوع جنون، فيمنع أداء الحقوق جميعا. اهـ.

وبهذا يتبين أنه لا يشرع إلزام مرضى البلاهة بأداء الصلاة، ولا غيرها من التكاليف الشرعية، وإنما يرشدون إليها على وجه الترغيب والندب، وانظر في هذا الفتاوى: 199245 - 12360 - 20350.

وأما بالنسبة للمحرمات: فالفواحش كالزنا وشرب الخمر ونحوها يجب منعهم عنها قطعا، وأما ما دون ذلك كمشاهدة المسلسلات، أو سماع الأغاني: فأمرها أخف، وهي محل تردد.

قال الغزالي في إحياء علوم الدين: ونمنع المجنون من الزنا، وإتيان البهيمة، وشرب الخمر، وكذا الصبي، لا صيانة للبهيمة المأتية، أو الخمر المشروب، بل صيانة للمجنون عن شرب الخمر، وتنزيها له من حيث إنه إنسان محترم، فهذه لطائف دقيقة لا يتفطن لها إلا المحققون، فلا ينبغي أن يغفل عنها. ثم فيما يجب تنزيه الصبي والمجنون عنه نظر إذ قد يتردد في منعهما من لبس الحرير وغير ذلك. اهـ.

لكن بالنسبة للحجاب: فيجب على وليها أن يبعدها عن الاختلاط، وأن يستر محاسنها بحيث لا يُفتن غيرها بها، ولا يكون تبرجها وإظهار زينتها سببا للاعتداء عليها، وراجع الفتوى: 124791.

وأما مآل المرضى العقليين من أبناء مسلمين في الآخرة: فقيل مصيرهم إلى الجنة، وقيل: بل يمتحون. وراجع الفتويين: 337972 - 290572.

وأما قولك: ( وهل نأثم إن لم نزوجها؟ أم نكون بذلك تجنينا إذا حدث حمل، فتكون أمه غير كاملة العقل، وقد نكون بذلك تجنينا عليها هي شخصيا، فقد يستغلها هذا الزوج -إن وجد-.): فإنه يشرع تزويج المجنون والمعتوه إن احتاج إلى ذلك، بل قد يجب تزويجه، وانظر في هذا الفتويين: 147203، 36861.

وأما ما ذكرته من احتمال استغلال الزوج لها، فإنه لا يمنع تزويجها، فهذا الاحتمال وارد حتى في تزويج العاقلات! والحل هو في الحرص على تزويج صاحب الدين والخلق، ويمكن أن يشترط على الزوج أن يكون سكنها قريبا من والديها، أو في بيتهم، أو نحو ذلك من الحلول. وانظر للفائدة الفتوى: 61292.

وأما قولك: (فإنها قد ترفع صوتها أحيانا في مشاجرات مع إخوتي الصغار، فيغتاظ أبي، وينهال عليها بالضرب، والسباب، والتلفظ بسب الدين، ولا أستطيع أن أدفع عنها؛ لأنه لن يستجيب لي، وقد يتحوَّل عليَّ. وهل اللعنة تصيبني حين لم أدفع عنها؛ استنادا لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ولا يقفَنَّ أحدُكم موقفًا يُضرَبُ فيه رجلٌ ظلمًا، فإن اللعنةَ تنزلُ على من حضرَه حينَ لم يدفَعوا عنه؟)

فإنه يجوز من حيث الأصل ضرب المعتوه ونحوه للتأديب والإصلاح. جاء في أسنى المطالب في شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري: (لِلْأبِ، والأُمِّ ضَرْبُ الصَّغِيرِ، والمَجْنُونِ زَجْرًا) لَهُما عَنْ سَيِّئِ الأخْلاقِ (وإصْلاحًا) لَهُما مِثْلُهُما السَّفِيهُ. اهـ.

إلا أن ضرب التأديب لا تجوز المبالغة فيه والتشفي، والضرب حال الغضب، كما سبق في الفتوى: 112348. فينبغي لك - بقدر وسعك وطاقتك- مناصحة أبيك، والإنكار عليه في سبه للدين، واعتدائه على ابنته بالضرب المبرح المبالغ فيه، ويمكن أن تتحيّن وقتا مناسبا لمناصحته غير الساعة التي يغضب فيها، ولا يستجيب فيها للنصح.

وأما الحديث الذي ذكرته: فقد أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير, والطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، وقد ضعفه العقيلي، بينما حسنه المنذري في الترغيب والترهيب، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطَّبَرانِيّ بِسَنَد ضَعِيف والبَيْهَقِيّ فِي شعب الإيمان بِسَنَد حسن.

والحديث -على فرض صحته- محمول على من حضر المنكر اختيارا، ولم ينكره مع قدرته على ذلك، وأما من حضر المنكر بغير اختياره، ولم تكن له قدرة على تغيير المنكر، فلا يشمله هذا الوعيد. 

قال الغزالي في إحياء علوم الدين: وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة، ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها، ولا يقدر على تغييره. فإنه قال اللعنة تنزل على من حضر. ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز ... وقال أبو هريرة قالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- من حضر معصية فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها، فأحبها، فكأنه حضرها. ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة، أو يتفق جريان ذلك بين يديه، فأما الحضور قصدًا فممنوع بدليل الحديث الأول .اهـ.

وأما قولك: (وهل من الممكن أن يعافيها الله -سبحانه وتعالى- وتصبح عاقلة؟ وهل لي أن أدعو بهذا أم يعتبر هذا من التعدي في الدعاء؟): فلا ريب في أن الله سبحانه لا يعجزه شيء، وإن كنت تقصد هل عُرف حصول  شفاء من قبلُ لمصابين بهذا المرض، أو توصل الطب إلى علاج له: فليس الكلام في هذا من مجال اختصاصنا.

والذي يسعنا قوله: أن الأصل هو مشروعية الدعاء بالشفاء من الأمراض كلها مهما كانت مستعصية، وليس ذلك من الاعتداء في الدعاء، وانظر بيان هذا في  الفتاوى: 120387435499 -  341338 .  

وفي الختام: ننصحك بالرجوع إلى رسالة بعنوان: ( أحكام فئة متلازمة داون في الفقه الإسلامي) (دكتوراه) - للدكتور. نضال بو عبد الله.

وننقل لك للفائدة ما جاء في خاتمة الرسالة: فئة "متلازمة داون" غير مكلفين، ودليله إجمالا:
• ضوابط العقل التكليفي لا تجتمع فيهم.
• لا تتحقق فيهم مقاصد التكليف، ولا مقتضياته.
• أوصاف المعتوه منطبقة مع أوصافهم، والمعتوه غير مكلف إجماعا.
• القياس على المميز في حكم عدم تكليفه، وهو قياس من باب الأولى؛ لأن نقصان العقل بالعته يربو على نقصان العقل بالصبا.
- لأفراد متلازمة داون أهلية الوجوب الكاملة؛ لأن أساسها الحياة، أما أهلية الأداء فهم معها على صنفين: صنف يلحق بالمجانين، وآخر بالمعتوهين والمميزين:
أ- صنف غير المميزين: وهم من غلبت عليهم أوصاف المجانين، وعلى التقسيم الحديث أصحاب الإعاقة الشديدة والعميقة، فهؤلاء أهلية الأداء لديهم منعدمة، فلا تصح عباداتهم ولا أثر لتصرفاتهم، إلا أنهم يثابون.
ب- صنف المميزين: وهم من غلبت عليهم أوصاف المميزين من فهم الكلام ورد الجواب وتمييز النافع والضار، وهم ذوو الإعاقة البسيطة والمتوسطة ـ في الأغلب ـ في اصطلاح المُحدثين، فهؤلاء يتمتعون بأهلية ناقصة؛ وذلك لوجود شيء من العقل والفهم والقدرة، فيصح منهم الإيمان، وتقبل منهم عباداتهم من غير إيجاب شرعي عليهم.
وأما تصرفاتهم فهي على ثلاثة أقسام:
• النفع المحض: وذلك كقبول الهدية والصدقة وتأجير النفس، فتصح منهم.
• الضرر المحض: كالتبرعات والقرض والطلاق، وكل ما يتضمن أو يؤول لإسقاط الحقوق، فلا تصح ولا تنعقد ولو أذن فيها الولي.
• المتردد بين النفع والضرر: ومثاله البيع والإجارة والنكاح، فلا يملكون عقدها إلا بإذن الولي في الابتداء، أو بإجازته في الانتهاء.
-.يمكن إجمال الأحكام الشرعية المتعلقة بالفئة في مجموعة من القواعد والضوابط:
• يؤمر أفراد فئة متلازمة داون المميزون بالعبادات احتياطا وصبغا بأخلاق المسلمين.
• أحكام فئة متلازمة داون غير المميزين كأحكام المجانين والصبيان غير المميزين، أما المميزون منهم كالمميزين من الصبيان، ويستثنى من ذلك ما تعلق بالأمور الجنسية، كالخلوة والعورة واللمس والنظر، أو ما تعلق بالبنية الجسدية، كغسل الميت والقدرة على الجهاد والاشتراك في الجنايات ونحو ذلك.
• أقوال فئة متلازمة داون غير المميزين لغو، فلا عبرة بإسلامهم وكفرهم، ولا بأخبارهم ونذورهم وأيمانهم، ولا بعقودهم ودعواهم.
• الأصل أن أفعال فئة متلازمة داون التعبدية كأفعال المكلفين، فيطالبون بكل ما يطالب به المكلف، وتبطل بالمبطلات، وتترتب عليها جميع آثارها، ككفارات الإخلال ونحوها، وهذا مذهب الجمهور.
• حقوق الله عز وجل لا تلزم أفراد متلازمة داون، كالكفارات مثلا، وهذا اختيار الحنفية.
• عمد فئة متلازمة داون خطأ ـ على الأصح ـ ويتعلق بهذا عدة مسائل، كالجنايات، وإرث القاتل، وارتكاب محظورات العبادات كالحج.
• يؤمر أفراد فئة متلازمة داون غير المميزين بكل ما لا يشترط فيه قصد التعبد (لا نية فيه)، وأصله العادات؛ إذ المطلوب فيها وقوع مصلحتها ورضا أربابها، كإزالة النجاسات ونحوها، ويتوجه الأمر فيها لأوليائهم.
• يتعلق خطاب الله الوضعي بفئة متلازمة داون، فعليهم الزكوات، وقيم المتلفات، وسائر النفقات، ونحو ذلك من حقوق العباد.
لا يعد أفراد متلازمة داون من أهل الولايات في النكاح والقضاء والكفالة وغيرها.
• لأفراد متلازمة داون المميزين أهلية التصرف بشروط ولا ذمة لهم، والشروط هي:
- الإذن العام أو الخاص من الولي.
- تحقق الرشد بعد الابتلاء، والرشد في كل شيء بحسبه.
• يمنع أفراد متلازمة داون من المحرمات العينية كالخمر والزنا، وكل ما يشتمل على المنكر أو يؤول للمفسدة، كلبس الحرير والتحلي بالذهب.
• الأصل في أفراد متلازمة داون المميزين عدم الرشد وأن يحجر عليهم، غير أنه قد يقال استحسانا برفع الحجر عن المميز من الفئة ممن تقارب نسب ذكائه العقلي نسب الأسوياء، وقد ثبت رشده بالاختبار، مع بقاء المراقبة الدائمة ولو من بعيد؛ إذ المقصد الشرعي من بقاء الولاية حفظ الأموال، فإذا ثبت من دونها استغني عنها، وليعلم أن المميزين من الفئة قد أثبتوا إمكانية الاستقلالية المعيشية والمالية في الدول الغربية، والقول بفك الحجر إنما هو في المعاملات اليسيرة والمتوسطة، أما المعاملات الجليلة فلا بد فيها من إذن الولي ابتداء أو إجازته انتهاء.
• فرض الكفاية يسقط بفعل فئة متلازمة داون إذا صح منهم، كتكفينهِم غيرهم أو دفنه أو غسله أو جهادهم الأعداء. • الأصل أن أخبار ورواية وشهادة فئة متلازمة داون غير مقبولة.
• كل ما يطلب فيه الكمال، واختلف أهل العلم في صحته أو جوازه من الصبي، فالأصل عدم الاعتداد به إن صدر من أفراد المتلازمة، ومثاله الأذان والإمامة من العبادات، والتحكيم من المعاملات.
• أفراد متلازمة داون من أبناء المسلمين في الجنة بإذن الله عز وجل، وأما أولاد غيرهم فحكمهم حكم أولاد المشركين والمعتوهين وأهل الفترات، وقد مر سرد الأقوال فيهم، والمرجو لهم الجنة بعفو الله وكرمه. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: