الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قتل القطط والكلاب المؤذية

السؤال

أود أن أستفسر عن شيء، وإذا لم أجد له إجابة فيمكن أن يسبّب لي وسوسة.
لقد علمت جواز قتل الكلاب غير المؤذية عند بعض أهل العلم، فلماذا؟ أليست أمة مثلنا؟ وإذا كان قتلها جائزًا؛ فلماذا خلقها الله؟ وفي إحدى المناطق انزعج بعض الناس من كثرة الكلاب في منطقتهم، فسمّموها، وبعد مدة ظهرت ثعابين صغيرة، واتضح أن الكلاب كانت تقضي على تلك الثعابين؛ فللكلاب فائدة في التوازن البيئي، فكيف أجاز بعض أهل العلم قتل الكلاب؟
النقطة الثانية: وعلمت أيضًا أن العلماء يقولون: إنه يجوز قتل الكلاب والقطط التي تسرق الدجاج أو الغنم، فإذا سرقت القطط من جزّار قطعة لحم، أو سمكة من محل أسماك، فهل يجوز قتلها؟ وإن كانت الإجابة: نعم، أليس هذا بكائن حي يجوع مثلما نجوع، ونحن البشر لدينا السبيل للرزق، وطلب الطعام متى شئنا، وهذه الكائنات التي لا صوت لها، تسرق قطعة لحم، أو سمكة، وتجري حتى تأكلها، أو تطعم صغارها، فإذا تركتها تأخذ شيئًا مني من باب إطعام الحيوان، أو أقول: هذا رزقه، وأحتسب ذلك عند الله؛ فهل عليّ إثم؟ وهل يجوز في هذه الحالة قتلها -سواء كانت قطة أو كلبًا-؟ فأنا أفكّر في حالها؛ فإنها تفعل ذلك من شدة جوعها.
وقد كنت أتحدث مع والدتي عن اختلاف المذاهب، وأنه يمكن أن يختلف حكم المذاهب في المسألة الواحدة، فقالت لي: كيف ذلك؟ فقلت لها: يختلفون في المسائل الفرعية، وهذا الاختلاف سعة ورحمة.
فقالت: كيف يختلفون في شيء، فمذهب يحرّمه، ومذهب يحلّله؟ فقلت لها بسرعة: لا تقولي ذلك، فليست هناك مسألة تحمل التحريم والتحليل في آن واحد، فمثلًا خلافهم في غسل الكافر بين الاستحباب والوجوب. وخلافهم في الاستنجاء باليد اليمنى بين الكراهية والتحريم، ولكني علمت مسألة قتل الكلاب غير المؤذية، وأن الأقوال فيها بين الجواز والتحريم والكراهية، فهل ما قلته لوالدتي: إنه ليس هناك مسألة تحمل التحريم والتحليل معًا يكفرني؟ وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فأما قولك: (لقد علمت جواز قتل الكلاب غير المؤذية عند بعض أهل العلم، فلماذا؟):

فقد اختلف الفقهاء في قتل الكلاب غير الضارة؛ فمنهم من قال بجواز قتلها، ومنهم من قال بكراهة قتلها، ومنهم من ذهب إلى التحريم.

ومن يرى الجواز يعلّل ذلك بأن الكلاب كلها لا منفعة فيها، وأنها لا تخلو من نوع أذى، وأقل درجات ذلك توقّع الترويع، ونقصان أجر مقتنيها، قال القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: والحاصل من الأحاديث: أن قتل الكلاب غير المستثنيات -أي: كلب الصيد، ونحوه- مأمور به، إذا أضرّت بالمسلمين.

فإن كثر ضررها وغلب؛ كان ذلك الأمر على الوجوب، وإن قلّ وندر، فأي كلب أضرّ؛ وجب قتله.

وما عداه جائز قتله؛ لأنه سبع لا منفعة فيه، وأقل درجاته توقّع الترويع، وأنه ينقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطين.

فأما المروّع منهنّ غير المؤذي؛ فقتله مندوب إليه.

وأما الكلب الأسود ذو النقطتين؛ فلا بد من قتله. اهـ. وانظري الفتويين: 167917، 179655.

وأما قولك: (أليست أمة مثلنا؟ وإذا كان قتلها جائزًا؛ فلماذا خلقها الله؟ وفي إحدى المناطق انزعج بعض الناس من كثرة الكلاب في منطقتهم، فسمّموها، وبعد مدة ظهرت ثعابين صغيرة، واتضح أن الكلاب كانت تقضي على تلك الثعابين؛ فللكلاب فائدة في التوازن البيئي، فكيف أجاز بعض أهل العلم قتل الكلاب؟):

فمقتضى كلامك هذا أنه لا يجوز قتل شيء خلقه الله! لا السبع العادي، ولا الكلب العقور، ولا الثعابين، ولا الحيات، ولا غير ذلك، ولا يقول بهذا عاقل.

ثم قتل الكلاب لا يتنافى مع تحقيق مقصد التوازن البيئي الذي أشرت إليه؛ فجواز قتل الكلاب لا يعني وجوبه، أو أنه سيتم إفناء الكلاب كلها، وقتلها بمجرد ولادتها، وإخلاء الأرض منها، ولا يمكن تصوّر هذا.

وأما الحكمة في خلق الحيوانات غير النافعة؛ فراجعي حوله الفتوى: 214819.

وأما قولك: (النقطة الثانية: وعلمت أيضًا أن العلماء يقولون: إنه يجوز قتل الكلاب والقطط التي تسرق الدجاج أو الغنم، فإذا سرقت القطط من جزّار قطعة لحم، أو سمكة من محل أسماك، فهل يجوز قتلها؟ وإن كانت الإجابة: نعم، أليس هذا بكائن حي يجوع مثلما نجوع):

فإن الهرة يجوز قتلها إذا كانت مؤذية أذى خارجًا عن العادة، ولم يندفع أذاها إلا بالقتل، وانظري الفتويين: 42086، 323704.

وما ذكرته كلام عاطفي، لا حجة فيه، ويلزم عليه: أن السباع المفترسة لا يجوز دفع صيالها، وقتلها؛ لأنها كائنات حية تجوع كما نجوع!!

وأما قولك: (فإذا تركتها تأخذ شيئًا مني من باب إطعام الحيوان، أو أقول: هذا رزقه، وأحتسب ذلك عند الله؛ فهل عليّ إثم؟)

فلا إثم عليك في ذلك، بل يرجى لك الأجر، والمثوبة؛ فإطعام الحيوانات من أبواب الخير والثواب، جاء في الحديث عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه؛ حتى رقي، فسقى الكلب؛ فشكر الله له، فغفر له» قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجرًا؟ فقال: «في كل كبد رطبة أجر» أخرجه البخاري ومسلم.

وأما قولك: (فهل ما قلته لوالدتي: إنه ليس هناك مسألة تحمل التحريم والتحليل معًا يكفرني؟):

فليس في قولك هذا ما يوجب الكفر.

وراجعي حول الخلاف الفقهي الفتاوى: 16387، 346519، 26350.

وراجعي للفائدة الفتوى: 265693.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني