الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيفية التخلص من إيذاء الأم

السؤال

أنا ولد عمري 16 عاما محافظ على الصلوات، وقراءة القرآن، وأنا محافظ جدا على ديني في شتى النواحي.
أريد الاستفتاء بشأن الأم الظالمة القاسية. أمي تظلمني ظلما شديدا، فهي تضربني ضربا مبرحا شديدا، وتسبني، وتصرخ علي كل يوم، وتعنفني،
ولا أذكر أنه مر علي يوم، لم أسمع سبابها، أو صراخها فيه. جسمي مليء بالكدمات من الضرب المتوحش، وأنا حزين دائما، وخائف منها أشد الخوف،
ولكن على الرغم من كل ذلك، فأنا أحاول قدر ما أستطيع أن أبرها، كمساعدتها بأعمال المنزل، وإحضار الهدايا من حين إلى آخر عند الاستطاعة، الخ.
ولكني في كثير من الأحوال أفقد أعصابي، ولا أستطيع تحمل الألم الذي يأتيني منها، سواء كان جسديا، أو نفسيا. فأنا في النهاية إنسان.
لست ملكا، أو بطلا خارقا، أستطيع التحمل من دون حدود، فاليوم قامت بالقفز علي؛ لضربي، وكان هذا في الصباح، و كان شعري يغطي على عيني النظر قليلا،
وقمت، دون أن أحس بدفعها من الخوف بعيدا عني دون قصد، وبعد أن فعلت ذلك، قامت بضربي ضربا مبرحا، وكنت أصرخ من الوجع، وطردتني من البيت،
وأنا أشعر بالذنب الشديد؛ لهذا الموقف. فماذا أفعل في هذا الموقف، علما بأنها لا ترضى أن تكلمني بتاتا؟
وكيف لي أن أبر أما لا ترحم، ولا تعينني على برها، وتعنفني تعنيفا شديدا؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فجزاك الله خيرا على حرصك على طاعة ربك، وبرّ والديك، ونرجو أن تكون من الذين ذكرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، في قوله -صلى الله عليه وسلم-: وشاب نشأ في عبادة الله.

وإذا كانت أمّك على الحال التي وصفت؛ فهي ظالمة، ولا حقّ لها في إيذائك بالضرب المبرح، ولا غير المبرح، أو السب، ونحوه، ويجوز لك أن تتخلص من أذاها بالهرب، ونحوه من غير إساءة إليها، وإن كان أبوك حاضرا، فعليه منعها من إيذائك، وإن لم يكن، فعلى الأقارب، كالخال، وغيره، نهيها عن هذا العدوان.

ومع ذلك، فظلمها، وإيذاؤها لك، لا يسقط حقّها عليك في البرّ؛ فالواجب عليك أن تبرها، وتحسن إليها قدر وسعك، وتطيعها في المعروف، فيما لا يضرك، وما حصل منك بغير قصد؛ فلا إثم عليك فيه، وعموما؛ فإنّ البار بوالديه، إذا حصلت منه هفوة نحوهما؛ فهي في مظنة العفو من الله تعالى، قال تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا {الإسراء: 25}.

قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: وقوله (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم، وأطعتم الله فيما أمركم به من البرّ بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوّابين بعد الزَّلة، والتائبين بعد الهَفْوة، غفورا لهم. انتهى.

فاصبر، وداوم على برّ أمّك قدر وسعك، وأبشر ببركة هذا البر في الدنيا، والآخرة؛ فإنّ برّ الأمّ من أحبّ الأعمال إلى الله، وأعجلها ثواباً، وأرجاها، وبركة في الرزق، والعمر، ففي الأدب المفرد للبخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- : .. إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني