الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم دفع الرشوة للحصول على الراتب

السؤال

ذهبت أنا وأمي لراتب التقاعد في منطقة سنية كمنطقتنا فلم نستلم الراتب وقالوا إن اسم أمك غير موجود ويجب عليك الذهاب إلى الدائرة العامة للتقاعد لمعرفة لماذا اسمها غير موجود ويجب أن تكون أمك معك لكي تبصم والدائرة العامة في منطقة شيعية ونحن نعيش بحالة رعب في بغداد ما بين السنة والشيعة، أمي خافت وحاولنا الكثير لكي لا نذهب وقلنا حتى لو بالمال لأن أمي مريضة وكبيرة في السن والوضع خطر فلم نستطع سوى أن شخص يتابع المعاملة وقال يجب أن تحضر أمك وأنا سوف أنتظركم لكي أسهل لكم المعاملة، وقال إنه اتفق مع موظفات ويردن مالا، المعاملة روتينية ليس فيها غش ولكن صعوبة الوضع وأخلاق الموظفين الذين اعتادوا على الرشوة هي التي تعرقل متابعة المعاملة، المهم ذهبنا أنا وأمي رغم خوفنا، وأنا كارهة فكرة الرشوة، ولكن خوفي على أمي وهي امرأة كبيره في السن والطريق جعلني مضطرة لأن أساير الموضوع، والذي حدث أننا لم نجد الشخص الذي يريد انتظارنا لأنه كان مشغولا فقمت وحدي بالمعاملة لأمي وامرأة ساعدتني بالمعاملة وهي موظفة متفقة مع هذا الشخص من قبل، قالت لي إن الموضوع منته وسوف ننزل اسمها في الحاسب وأن السبب في عدم أخذ الراتب أنكم تأخرتم عن الموعد في أخذه وهي أكيد تظن في نفسها أنني سوف أرسل لها مالا مع الشخص شكرتها وأكدت عليها في إنزال اسم أمي في الحاسب وأخذت الراتب، ورجعنا والحمد لله بعد مشوار صعب أنا وأمي لأن المنطقه شيعية، وأوقفنا تاكسي لا نعرفه سنيا أم شيعيا المهم أنا قررت أن لا أعطي رشوة للشخص ولا للموظفة أولاً لأنه حرام، وثانياً: لأننا ذهبنا أنا وأمي وقمت بالمعاملة لوحدي، ولكن أمي اختلفت معي لأنها تقول إن الراتب الجديد في الشهر الخامس وربما سوف لا تنزل اسم أمي تقصد لنا وأن أمي لا تستطيع أن تذهب مرة ثانية للمعاملة لأنها امرأة مريضة وتخاف الطريق وإنها كانت معنا لطيفة في المعاملة وسهلت لنا المعاملة رغم أنها والله روتينية وتضع اللوم علي إن لم ينزل اسمها في الحاسب لأنني لم أدفع للشخص أو للموظفة، فماذا أفعل يا شيخنا أدفع للشخص وللموظفة مالا لكي أخلص أمي من التعب ومن خطورة الطريق أم لا أدفع، علما بأن راتبها الجديد في الشهر الخامس وقد يكون نزل اسمها، أو لم ينزل أن تريد الموظفة أن تؤذينا لأننا لم ندفع لها أو لا تؤذينا حسب ضميرها والله أعلم ولا أستطيع أن تذهب أمي مرة ثانية لنفس المكان وهنا أيضا لا أنكر أن الشخص ذهب عدة مرات للدائرة للمعاملة من قبل لأجل المعاملة لأن محله قريب من الدائرة وهو شخص معوق أرجوك يا شيخنا أن تجيبني بالتفصيل لأنني أخاف على أمي وفي نفس الوقت لا أريد أن أرتشي برشوة؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فمما لا شك فيه أن الرشوة من كبائر الذنوب، ملعون صاحبها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي. رواه أحمد وأبو داود وهو عند الترمذي بزيادة: في الحكم. وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية: والرائش. وهو الساعي بينهما، وقال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكالون للسحت {المائدة:41}، قال الحسن وسعيد بن جبير هو: الرشوة، وقال تعالى: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة:188}، فطلب الرشوة -إذاً- حرام، وقبولها حرام، ودفعها حرام، كما يحرم عمل الوسيط (الرائش) بين الراشي والمرتشي.

هذا في الرشوة التي يتوصل بها صاحبها إلى ما ليس له، وأما الرشوة التي يتوصل بها المرء إلى حقه، أو إلى دفع ظلم عنه أو ضرر، فإنها جائزة عند الجمهور، ويكون الإثم فيها على المرتشي دون الراشي، قال ابن الأثير: فأما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه. روي أن ابن مسعود أخذ بأرض الحبشة في شيء فأعطى دينارين حتى خلي سبيله، وروي عن جماعة من أئمة التابعين أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله، إذا خاف الظلم. انتهى.

وعليه فما ذكرته من حال أمك ومن صعوبة ظروف البلد، يفيد أنك معذورة في دفع الرشوة لتخليص نفسك وأمك من جميع ذلك، ولكن ينبغي أن تعلمي أنك إذا كنت تستطيعين تخليص مهمتك بدون رشوة وبدون تعرض إلى خطر أو مشقة زائدة فإن دفع الرشوة لا يجوز لك، ولا يجوز أن تطيعي فيه أمك، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإن غلب على ظنك أنك لن تتمكني من تحصيل مهمتك إلا بدفع رشوة، أو تكبدك وتكبيد أمك مشقة وخطراً، فلا حرج عليك حينئذ في دفعها، ويكون الإثم على الآخذ دونك.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني