الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

علاج الوسواس القهري والتخيلات الرديئة

السؤال

أفيدونا، رزقنا الله وإياكم الجنة! فأنا شاب مسلم أبلغ من العمر 38 عاماً، أعاني بما يسمى مرض الوسواس القهري، حيث بدأت معي الحالة قبل سبعة أشهر، وذلك قبل ذهابي إلى حج بيت الله الحرام، حيث وجدت بعض الكلمات غير اللائقة تدور في تفكيري وعقلي لله - سبحانه جل جلاله - وكأني أنا الذي أقولها، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، ولكن تلك الأفكار والكلمات استمرت معي حتى بعد ذهابي إلى الحج، وتطورت الحالة حتى وأنا أقوم بمناسك الحج.

وما هي إلا أيام وعدت إلى بلدي، ولكن الحالة تطورت معي، وخصوصاً في الصلاة، حيث أجد نفسي -بالإضافة إلى ما سبق - في مواضع ومشاهد جنسية لا يمكن أن تخطر على العقل، وأنا واقف للصلاة أمام الله جل جلاله، حيث بكيت كثيراً، وسألت نفسي كثيراً كيف يحصل لي ذلك؟

مع العلم بأني إنسان مواظب على العبادات، ومؤمن بقضاء الله وقدره، وأخاف الله، وساءت حالتي الصحية؛ فأصبحت كالمجنون لا أنام ولا آكل، وخائف من شدة تلك الأفكار والمشاهد؛ فأصبت بالإحباط؛ فذهبت إلى أحد علماء الدين، وأخبرني بأنها وسوسة الشيطان - لعنه الله - ويجب ألا أفكر فيها، وأن أتجاهلها، ولست محاسبا عليها من قبل الله سبحانه وتعالى، ولكن حالتي الصحية والنفسية بقيت كما هي، فعندها قررت الذهاب إلى طبيب نفساني، وشرحت له حالتي؛ فأخبرني بأني مصاب بمرض الوسواس القهري، حيث نصحني بأخذ دواء الانافرانيل 25 ملجم ثلاث مرات يومياً لمدة أربعة أسابيع، وفعلاً أخذت الدواء.

بالإضافة إلى ذلك بدأت أقرأ عن هذا المرض وعلاجه، وحصلت على صفحة بشبكة الإنترنت للدكتور جيفري شوارتز، والذي يتحدث فيها عن الوسواس القهري، وطريقة علاجه، والتي سماها علاج السلوك الذاتي، كما فهمت منه بأن اضطرابات مرض الوسواس القهري سببها اضطرابات حيوية في المخ، وأنه مهما حاولت طردها، فإنها لن تذهب سريعاً هكذا، وهي ليست سوى أفكار وإشارت زائفة، ولا تعني ما تقوله، ومشيت على الدواء والعلاج الذاتي لمدة أربعة أسابيع، وفعلاً تحسنت حالتي بنسبة 70%، وتوقفت عن العلاج، ولكن بعد شهرين من التحسن عادت إلي الحالة، وتلك الأفكار والمشاهد، وعندها أخذت نفس العلاج السلوكي والدوائي لمدة ستة أسابيع، وعندها تحسنت حالتي بنفس النسبة السابقة تقريباً.

والآن وقبل أسبوعين انتكست حالتي مرة أخرى، وعادت تلك الأفكار والمتخيلات والكلمات من جديد، ولكني على يقين تام بأن تلك الأفكار والاستحواذات ليست سوى أفكار ومتخيلات زائفة، لا تمت إلى العقل والمنطق بصلة، ومع ذلك فإن حالتي الصحية لم تتأثر، ولم يتغير سلوكي الاجتماعي، وأنا صلب أمام هذا المرض - بفضل الله سبحانه وتعالى، وإيماني ويقيني به - وسوف أتعافى إن شاء الله يوماً ما، حيث أني قلق من ملازمة تلك الأفكار لي، ودورانها في عقلي، وكأنها شريط مسجل، علماً بأني الآن مستمر على علاج السلوك الذاتي للدكتور جيفري شوارتز، وما أود معرفته ما هو تعليقكم على علاجه؟ وهل أعود لأخذ الانافرانيل من جديد؟ وماهي مدة العلاج حتى يختفي المرض تماما؟ وهل أنا معرض إلى نكسات أخرى؟

أنا آسف جداً على الإطالة، وشكراً!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عادل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

لا شك أن الحالة التي وصفتها هي من نوع الأفكار القهرية الوسواسية، وهي كما تعلم أفكار متسلطة تسبب الكثير من الألم النفسي والشعور بالحرج للإنسان، ولكن يا أخي أبشرك بأنها ليست من فعل الشيطان والله أعلم، حيث أنها حالة طبية تتعلق بسلوك متعلم أو مكتسب، مع اضطراب نسبي في كيمياء الدماغ، وهذه الحالات لا تدل على ضعف الشخصية أو قلة الإيمان، وكما ذكر المشايخ جزاهم الله خيراً لا يؤاخذ عليها الإنسان، ويجب ألا يتبعها أو يطيعها، ويسعى إلى تحقيرها، وهذا أول علاج سلوكي كتب عنه الإمام الغزالي رحمه الله، وتقوم المدارس السلوكية الحديثة على نفس نمط الإمام الغزالي، وعليه نرجو المتابعة على هذا النوع من العلا ج، ولكن في ذات الوقت يعتبر العلاج الدوائي هام جداً لاستحداث التوازن البايولوجي في الدماغ، وعلاج الأنافرانيل من الأدوية الفعالة، ولكنه قديم بعض الشيء، وتعتبر الجرعة المؤثرة والفعالة هي 100 - 150 مليجرام، ولكن معظم المرضى لا يستطيعون تحمل الآثار الجانبية مع هذه الجرعة، لكن على العموم لا بأس من الاستمرار عليه حيث أنه أيضاً قليل التكلفة.

الدواء الآخر والذي هو أكثر فعالة وحداثة وقلة في الآثار الجانبية يعرف باسم فافارين Faverin، وجرعته تبدأ بخمسين مليجرام ليلاً بعد الأكل لمدة أسبوعين، ثم تُرفع الجرعة بواقع 50 مليجرام كل أسبوعين حتى تصل إلى 300 مليجرام في اليوم.

ويجب أن لا تقل مدة العلاج عن ستة أشهر، بعدها تبدأ في التخفيض التدرجي بواقع 50 مليجرام كل أسبوعين، حتى تصل إلى جرعة 100 مليجرام، وتستمر عليها لمدة ثلاثة أشهر أخرى، ثم بعد ذلك يمكن إيقاف العلاج، مع الاستمرار في العلاج السلوكي.

هنالك أدوية فعالة أخرى مثل بروزاك، ليسترال، زيروكسات، سيبرالكس.

أرجو ختاماً أن أؤكد لك أن هذا المرض يمكن الشفاء منه بإذن الله، وربما تحدث بعض الانتكاسات البسيطة من وقت لآخر، خاصة حين يكون الإنسان تحت ضغوط نفسية.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • فلسطين محمد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. شافاك الله ..اقول لك اطمئن ..فانا اصبت بهذا الوسواس وظننت اني بذلك قد كفرت بل واقترفت شيئا اكبر من الكفر .. اعلم ان هذه الاشياء ليست من الشيطان غالبا.. لكن قد تكون سمعت شيئا قريبا من هذه التخيلات في حياتك والان تجول في عقلك ..وبما ان العقل لا يمكن ربطه كالعضلات .. فان التحكم بالتفكير قد يكون صعبا خاصة اذا كنت لوحدك وبدون شي يشغله .. انت انسان مسلم وتحب الله ورسوله لذلك قطعا انت لا يمكن ان تكون مبسوط لما يمكن ان ياتي في بالك من تخيلات ... اما العلاج فاقول لك عن خبره شخصية وقد قال لي شيخ من قبل ... عندما تاتيك هذه التخيلات ابتسم وامضي ولا تسال .. فاساسها انما يريد الشيطان ليحزن الذين امنوا وليس بضارهم شيئا الا باذن الله ... فكلما حزنت واكتئبت كلما زاد وضعك سوءا وكلما ابتسمت وعلمت يقينا انك تحب الله كلما نسيت الامر واصبحت حياتك افضل حتى تصل لمرحلة تماما خالية من هذه التخيلات وحتى بتنسى انك كنت مصاب بالوسواس