قوله : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون
ومن يعش عن ذكر الرحمن يعرض عن القرآن ، ويقال : عشوت إلى النار أعشو عشوا ، أي : قصدتها مهتديا بها ، وعشوت عنها : أعرضت عنها ، كما تقول : عدلت إلى فلان ، وعدلت عنه ، وملت إليه ، وملت عنه ، قال معنى الآية : أن الزجاج : نعاقبه بشيطان ، نقيضه له حتى يضله ، ويلازمه قرينا له ، فلا يهتدي ، مجازاة له حين آثر الباطل على الحق البين . من أعرض عن القرآن وما فيه من الحكمة ، إلى أباطيل المضلين ،
وهو قوله : فهو له قرين صاحب له ، يزين له العمى ، ويخيل إليه أنه على الهدى ، وهو على الضلالة .
وذلك قوله : وإنهم ليصدونهم عن السبيل وإن الشياطين ليمنعونهم عن سبيل الهدى ، وجمع الكناية ؛ لأن قوله : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا في مذهب جمع ، وإن كان اللفظ على الواحد ، ويحسبون أنهم مهتدون يحسب كفار بني آدم أنهم على هدى .
أخبرنا أبو بكر الحارثي ، أنا أبو الشيخ الحافظ ، أنا نا أبو يعلى ، نا محرز بن عون ، نا عثمان بن مطر ، [ ص: 73 ] عبد الغفور ، عن أبي نضير ، عن أبي رجاء ، عن أبي بكر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار ، فأكثروا منهما ، فإن إبليس قال : أهلكت الناس بالذنوب ، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار ، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون" .
قوله : حتى إذا جاءنا يعني : الكافر ، وقرئ : جاءانا يعني : الكافر وشيطانه ، جعلا في سلسلة واحدة ، وروى عن معمر قال : بلغنا أن الجريري ، الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره ، أخذ بيده شيطان ، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار .
فذلك حيث يقول : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين بعد ما بين المشرق والمغرب ، فغلب لفظ المشرق ، كما قالوا : القمران ، والعمران ، فبئس القرين أنت أيها الشيطان .
ويقول الله تعالى في ذلك اليوم للكفار : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أشركتم في الدنيا ، أنكم في العذاب مشتركون قال المفسرون : لا يخفف الاشتراك عنهم شيئا من العذاب ؛ لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب .