ثم أعلم ما لأهل الجنة عنده ، فقال : إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون
[ ص: 175 ] إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم ما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة ، إنهم كانوا قبل ذلك يعني : في الدنيا ، محسنين في أعمالهم .
ثم ذكر إحسانهم ، فقال : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون الهجوع : النوم بالليل دون النهار ، وما صلة ، والمعنى : كانوا يهجعون قليلا من الليل ، يصلون أكثر الليل ، قال وذلك حين أمروا بقيام الليل ، ثم نزلت الرخصة . عطاء :
ويجوز أن يكون المعنى : كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا ، ويكون الليل اسما للجنس ، وهذا معنى قول عن سعيد بن جبير ، قال : كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها . ابن عباس ،
وقال قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها . مطرف بن الشخير :
وقال كانوا لا ينامون كل الليل . مجاهد :
واختار قوم الوقف على قوله : قليلا على معنى : كانوا من الناس قليلا ، وهو قول الضحاك ، ثم ابتدأ فقال : ومقاتل ، من الليل ما يهجعون وهذا على نفي النوم عنهم البتة ، قال المراد بهؤلاء القليل : يمانون من نصارى عطاء : نجران ، والشام آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه .
وبالأسحار هم يستغفرون قال مدوا الصلاة إلى الأسحار ، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار . الحسن :
وقال الكلبي ، ومقاتل ، وبالأسحار هم يصلون ، وذلك أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم للمغفرة . ومجاهد :
ثم ذكر صدقاتهم ، فقال : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وهو الذي ليس له في الغنيمة سهم ، ولا يجري عليه من الفيء شيء ، ومعناه في اللغة : الذي منع الخير والعطاء ، وقال قتادة ، هو المتعفف الذي لا يسأل . والزهري :
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يقطن بحاجته فيتصدق عليه .
قوله : وفي الأرض آيات للموقنين يعني : ما فيها من الجبال ، والبحار ، والأشجار ، والأنهار ، والثمار ، والنبت عاما بعام ، ففيها آيات للموقنين [ ص: 176 ] بالله ، يعرفونه بصنعه .
وفي أنفسكم آيات ، إذ كانت نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظما إلى أن نفخ فيها الروح ، وقال عن عطاء ، يريد اختلاف الألسنة ، والصور ، والألوان ، والطبائع . ابن عباس :
وقال ابن الزبير : يعني : سبيل الخلاء والبول ، يأكل ويشرب من مدخل واحد ، ويخرج من سبيلين .
وتم الكلام ، ثم عنفهم ، فقال : أفلا تبصرون قال أفلا تبصرون كيف خلقكم ، فتعرفون قدرته على البعث . مقاتل :
قوله : وفي السماء رزقكم قال ابن عباس ، ومقاتل ، يعني : المطر الذي هو سبب الأرزاق . ومجاهد :
وما توعدون قال من الثواب والعقاب . عطاء :
وقال من الخير والشر . الكلبي :
وقال الجنة والنار . مجاهد :
ثم أقسم الرب عز وجل بنفسه ، فقال : فورب السماء والأرض إنه لحق قال يعني : ما قص في الكتاب كائن . الكلبي :
وقال وهو ما ذكر من أمر الرزق ، والآيات . الزجاج :
وقال يعني : أمر الساعة . مقاتل :
مثل ما أنكم تنطقون من قرأ -بالرفع- فهو من صفة الحق ، ومن نصب جعل : مثل مع ما : بمنزلة شيء واحد ، ذكر ذلك أبو عثمان المازني ، وأبو علي الفارسي ، قال : ومثله قول حميد :
وويحا لمن لم يدر ما هن ويحما فبنى ويح مع ما ، ولم يلحقه -التنوين- وقال من نصب مثل مع ما ، جعله في مذهبه مصدرا ، [ ص: 177 ] كقولك : إنه لحق حقا ، ويجوز ذلك . الفراء :
قال والمعنى : إنه لحق كما أنكم تنطقون . الزجاج :
شبه الله تعالى تحقق ما أخبر عنه ، بتحقيق نطق الآدمي ووجوده ، وهذا كما يقول : إنه لحق كما أنك تقول هاهنا ، وإنه لحق كما أنك تتكلم ، والمعنى : أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة .