الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ثم أعلم ما لأهل الجنة عنده ، فقال : إن المتقين في جنات وعيون  آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين  كانوا قليلا من الليل ما يهجعون  وبالأسحار هم يستغفرون  وفي أموالهم حق للسائل والمحروم  وفي الأرض آيات للموقنين  وفي أنفسكم أفلا تبصرون  وفي السماء رزقكم وما توعدون  فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون  

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 175 ] إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم ما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة ، إنهم كانوا قبل ذلك يعني : في الدنيا ، محسنين في أعمالهم .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر إحسانهم ، فقال : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون الهجوع : النوم بالليل دون النهار ، وما صلة ، والمعنى : كانوا يهجعون قليلا من الليل ، يصلون أكثر الليل ، قال عطاء : وذلك حين أمروا بقيام الليل ، ثم نزلت الرخصة .

                                                                                                                                                                                                                                      ويجوز أن يكون المعنى : كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا ، ويكون الليل اسما للجنس ، وهذا معنى قول سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مطرف بن الشخير : قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مجاهد : كانوا لا ينامون كل الليل .

                                                                                                                                                                                                                                      واختار قوم الوقف على قوله : قليلا على معنى : كانوا من الناس قليلا ، وهو قول الضحاك ، ومقاتل ، ثم ابتدأ فقال : من الليل ما يهجعون وهذا على نفي النوم عنهم البتة ، قال عطاء : المراد بهؤلاء القليل : يمانون من نصارى نجران ، والشام آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه .

                                                                                                                                                                                                                                      وبالأسحار هم يستغفرون قال الحسن : مدوا الصلاة إلى الأسحار ، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي ، ومقاتل ، ومجاهد : وبالأسحار هم يصلون ، وذلك أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم للمغفرة .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر صدقاتهم ، فقال : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وهو الذي ليس له في الغنيمة سهم ، ولا يجري عليه من الفيء شيء ، ومعناه في اللغة : الذي منع الخير والعطاء ، وقال قتادة ، والزهري : هو المتعفف الذي لا يسأل .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يقطن بحاجته فيتصدق عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : وفي الأرض آيات للموقنين يعني : ما فيها من الجبال ، والبحار ، والأشجار ، والأنهار ، والثمار ، والنبت عاما بعام ، ففيها آيات للموقنين [ ص: 176 ] بالله ، يعرفونه بصنعه .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي أنفسكم آيات ، إذ كانت نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظما إلى أن نفخ فيها الروح ، وقال عطاء ، عن ابن عباس : يريد اختلاف الألسنة ، والصور ، والألوان ، والطبائع .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن الزبير : يعني : سبيل الخلاء والبول ، يأكل ويشرب من مدخل واحد ، ويخرج من سبيلين .

                                                                                                                                                                                                                                      وتم الكلام ، ثم عنفهم ، فقال : أفلا تبصرون قال مقاتل : أفلا تبصرون كيف خلقكم ، فتعرفون قدرته على البعث .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : وفي السماء رزقكم قال ابن عباس ، ومقاتل ، ومجاهد : يعني : المطر الذي هو سبب الأرزاق .

                                                                                                                                                                                                                                      وما توعدون قال عطاء : من الثواب والعقاب .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : من الخير والشر .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مجاهد : الجنة والنار .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أقسم الرب عز وجل بنفسه ، فقال : فورب السماء والأرض إنه لحق قال الكلبي : يعني : ما قص في الكتاب كائن .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج : وهو ما ذكر من أمر الرزق ، والآيات .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مقاتل : يعني : أمر الساعة .

                                                                                                                                                                                                                                      مثل ما أنكم تنطقون من قرأ -بالرفع- فهو من صفة الحق ، ومن نصب جعل : مثل مع ما : بمنزلة شيء واحد ، ذكر ذلك أبو عثمان المازني ، وأبو علي الفارسي ، قال : ومثله قول حميد :

                                                                                                                                                                                                                                      وويحا لمن لم يدر ما هن ويحما فبنى ويح مع ما ، ولم يلحقه -التنوين- وقال الفراء : من نصب مثل مع ما ، جعله في مذهبه مصدرا ، [ ص: 177 ] كقولك : إنه لحق حقا ، ويجوز ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : والمعنى : إنه لحق كما أنكم تنطقون .

                                                                                                                                                                                                                                      شبه الله تعالى تحقق ما أخبر عنه ، بتحقيق نطق الآدمي ووجوده ، وهذا كما يقول : إنه لحق كما أنك تقول هاهنا ، وإنه لحق كما أنك تتكلم ، والمعنى : أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية