قوله: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال المفسرون: أراد في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف يكون يوم ولا شمس ولا سماء.
وهذا معنى قول إن ذلك رتب على الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فاجتمع الخلق فيه. مجاهد:
قال أراد الله أن يوقع في كل يوم أمرا من خلقه، تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له. ابن الأنباري:
وقوله ثم استوى على العرش أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السماوات والأرض.
وهذا قول [ ص: 376 ] الفراء، وأبي العباس، وقال آخرون: استوى معناه: استولى، واحتجوا بقول البعيث: والزجاج،
ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
وخص العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات.وقوله: يغشي الليل النهار ، وقرئ: بالتشديد والإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، قال الزجاج: والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل: ويغشي النهار الليل; لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا كما قال: سرابيل تقيكم الحر ولم يذكر البرد للعلم به، وقوله: يطلبه حثيثا: الحثيث: المعجل السريع، يقال: حثثت فلانا إذا أمرته بالعجلة، قال ابن عباس: يطلب الليل النهار لا غفلة له.
والمعنى: أن الليل يستمر في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب التأخر عن وقته.
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره أي: وخلق هذه الأشياء جاريات في مجاريها بأمر الله تعالى، ومعنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وسير وأفول على حسب إرادة المدبر فيهم، وقرأ ابن عامر كلها - بالرفع - على الاستئناف، ألا له الخلق لأنه خلقهم، والأمر، له أن يأمر في خلقه بما يشاء، تبارك الله رب العالمين قال تبارك الله، أي: ارتفع، والمتبارك: المرتفع. ابن عباس:
وقال تبارك الله: باسمه يتبرك في كل شيء. ابن الأنباري:
وقال أهل المعاني: تبارك الله، استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال.
[ ص: 377 ] وقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية التضرع: التذلل والتخشع والخفية خلاف العلانية، ويقال: خفية بالكسر، والسنة والأدب في الدعاء أن يكون خفيا لهذه الآية، ولما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: . "خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي"
وقال بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد أدركنا أقواما ما كان وجه الأرض من عمل ويقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول الحسن: ادعوا ربكم تضرعا وخفية وأن الله ذكر عبدا صالحا، ورضي فعله، فقال: إذ نادى ربه نداء خفيا .
قوله: إنه لا يحب المعتدين أي: بالجهر في الدعاء.
قاله ومعنى المعتدين: المجاوزين ما أمروا به. الكلبي،
وقوله: ولا تفسدوا في الأرض قال المفسرون: الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي وسفك الدماء.
وقوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك، وقال والكلبي، عطية: معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم.
وعلى هذا معنى قوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب، وادعوه خوفا وطمعا قال خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه. ابن عباس:
إن رحمت الله قريب من المحسنين قال إنما قيل قريب لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد. الزجاج:
ونحو هذا قال الأخفش.
[ ص: 378 ] وأما الرحمة بمعنى الإنعام، فلذلك ذكر، وقال الرحمة هاهنا الثواب. سعيد بن جبير:
وقال الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير، كقوله: النضر بن شميل: فمن جاءه موعظة من ربه .
قوله: وهو الذي يرسل الرياح نشرا جمع نشور، مثل رسول ورسل، والنشور بمعنى المنشر، كالركوب بمعنى المركوب، يقال: أنشر الله الريح، فنشرت.
أي: أحياها، فحييت، وخفف ابن عامر العين فقرأ: نشرا، كما يقال: كتب ورسل، وقرأ حمزة: نشرا وهو مصدر نشرت الشيء ضد طويته، والمراد بالمصدر المفعول، أرسلها الله منشورة بعد انطوائها، وقرأ عاصم بشرا بالباء جمع بشور، أي: تبشر بالمطر والرحمة، من قوله: يرسل الرياح بشرا .
وقوله: بين يدي [ ص: 379 ] رحمته قال قدام مطره، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به. الكلبي:
حتى إذا أقلت أي: حملت هذه الرياح سحابا ثقالا: بما فيها من الماء، يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله، سقناه سقنا السحاب لبلد ميت: قال إلى بلد يحتاج إلى المطر لانقطاعها عنه، فأنزلنا به: بذلك البلد ابن الأنباري: الماء فأخرجنا به بذلك الماء من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات كإحياء الأرض بالنبات، لعلكم تذكرون: قال الزجاج: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله، وأنه قادر على بعث الأموات.
قوله: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه الآية: قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة، وبالأرض السبخة الملحة، شبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله، وانتفع به، فبان أثره عليه بالبلد الطيب، إذ كان البلد الطيب يمرع يخصب، ويحسن أثر المطر عليه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن، ولا يؤثر فيه أثرا محمودا بالبلد الخبيث إذ كان لا يمرع، ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه. والسدي:
وقوله: والذي خبث: قال الكلبي: هو السبخة من الأرض.
لا يخرج إلا نكدا النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير، والمصدر النكد، يقال: نكد نكدا فهو نكد وأنكد.
قال النكد: العسر البطيء البعيد الخير، وأنشد: ابن الأنباري:
لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تافها نكدا