الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين  ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين  ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين  وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون  والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال المفسرون: أراد في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف يكون يوم ولا شمس ولا سماء.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا معنى قول مجاهد: إن ذلك رتب على الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فاجتمع الخلق فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن الأنباري: أراد الله أن يوقع في كل يوم أمرا من خلقه، تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله ثم استوى على العرش أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السماوات والأرض.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول [ ص: 376 ] الفراء، وأبي العباس، والزجاج، وقال آخرون: استوى معناه: استولى، واحتجوا بقول البعيث:


                                                                                                                                                                                                                                      ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق

                                                                                                                                                                                                                                      وخص العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يغشي الليل النهار ، وقرئ: بالتشديد والإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، قال الزجاج: والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل: ويغشي النهار الليل; لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا كما قال: سرابيل تقيكم الحر ولم يذكر البرد للعلم به، وقوله: يطلبه حثيثا: الحثيث: المعجل السريع، يقال: حثثت فلانا إذا أمرته بالعجلة، قال ابن عباس: يطلب الليل النهار لا غفلة له.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: أن الليل يستمر في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب التأخر عن وقته.

                                                                                                                                                                                                                                      والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره أي: وخلق هذه الأشياء جاريات في مجاريها بأمر الله تعالى، ومعنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وسير وأفول على حسب إرادة المدبر فيهم، وقرأ ابن عامر كلها - بالرفع - على الاستئناف، ألا له الخلق لأنه خلقهم، والأمر، له أن يأمر في خلقه بما يشاء، تبارك الله رب العالمين قال ابن عباس: تبارك الله، أي: ارتفع، والمتبارك: المرتفع.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن الأنباري: تبارك الله: باسمه يتبرك في كل شيء.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أهل المعاني: تبارك الله، استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 377 ] وقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية التضرع: التذلل والتخشع والخفية خلاف العلانية، ويقال: خفية بالكسر، والسنة والأدب في الدعاء أن يكون خفيا لهذه الآية، ولما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي" .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد أدركنا أقواما ما كان وجه الأرض من عمل ويقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول ادعوا ربكم تضرعا وخفية وأن الله ذكر عبدا صالحا، ورضي فعله، فقال: إذ نادى ربه نداء خفيا .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: إنه لا يحب المعتدين أي: بالجهر في الدعاء.

                                                                                                                                                                                                                                      قاله الكلبي، ومعنى المعتدين: المجاوزين ما أمروا به.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ولا تفسدوا في الأرض قال المفسرون: الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي وسفك الدماء.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك، والكلبي، وقال عطية: معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم.

                                                                                                                                                                                                                                      وعلى هذا معنى قوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب، وادعوه خوفا وطمعا قال ابن عباس: خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه.

                                                                                                                                                                                                                                      إن رحمت الله قريب من المحسنين قال الزجاج: إنما قيل قريب لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد.

                                                                                                                                                                                                                                      ونحو هذا قال الأخفش.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 378 ] وأما الرحمة بمعنى الإنعام، فلذلك ذكر، وقال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير، كقوله: فمن جاءه موعظة من ربه .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وهو الذي يرسل الرياح نشرا جمع نشور، مثل رسول ورسل، والنشور بمعنى المنشر، كالركوب بمعنى المركوب، يقال: أنشر الله الريح، فنشرت.

                                                                                                                                                                                                                                      أي: أحياها، فحييت، وخفف ابن عامر العين فقرأ: نشرا، كما يقال: كتب ورسل، وقرأ حمزة: نشرا وهو مصدر نشرت الشيء ضد طويته، والمراد بالمصدر المفعول، أرسلها الله منشورة بعد انطوائها، وقرأ عاصم بشرا بالباء جمع بشور، أي: تبشر بالمطر والرحمة، من قوله: يرسل الرياح بشرا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: بين يدي [ ص: 379 ] رحمته قال الكلبي: قدام مطره، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به.

                                                                                                                                                                                                                                      حتى إذا أقلت أي: حملت هذه الرياح سحابا ثقالا: بما فيها من الماء، يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله، سقناه سقنا السحاب لبلد ميت: قال ابن الأنباري: إلى بلد يحتاج إلى المطر لانقطاعها عنه، فأنزلنا به: بذلك البلد الماء فأخرجنا به بذلك الماء من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات كإحياء الأرض بالنبات، لعلكم تذكرون: قال الزجاج: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله، وأنه قادر على بعث الأموات.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه الآية: قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة، وبالأرض السبخة الملحة، شبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله، وانتفع به، فبان أثره عليه بالبلد الطيب، إذ كان البلد الطيب يمرع يخصب، ويحسن أثر المطر عليه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن، ولا يؤثر فيه أثرا محمودا بالبلد الخبيث إذ كان لا يمرع، ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: والذي خبث: قال الكلبي: هو السبخة من الأرض.

                                                                                                                                                                                                                                      لا يخرج إلا نكدا النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير، والمصدر النكد، يقال: نكد نكدا فهو نكد وأنكد.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن الأنباري: النكد: العسر البطيء البعيد الخير، وأنشد:


                                                                                                                                                                                                                                      لا تنجز الوعد إن وعدت وإن     أعطيت أعطيت تافها نكدا

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية