إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ
قوله: إن في ذلك يعني ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم لآية لعبرة وموعظة لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم القيامة وقد سبق ذكره ذلك يوم مجموع له الناس لأن الخلق كلهم يحشرون ويجمعون لذلك اليوم وذلك يوم مشهود شهده البر والفاجر، وأهل السماء وأهل الأرض، وما نؤخره أي: ذلك اليوم إلا لأجل معدود لوقت معلوم لا يعلمه غير الله، يوم يأتي، وقرئ بحذف الياء التي هي لام الفعل، قال الفراء: كل ياء ساكنة ما قبلها مكسور فإن العرب تجيز حذفها وتكتفي بالكسرة من الياء.
وقد حكى سيبويه، والخليل أن العرب تقول: لا أدر.
فتحذف الياء وتكتفي بالكسرة.
وقوله: لا تكلم نفس إلا بإذنه وذلك أن الخلق في ذلك اليوم كلهم ساكتون إلا من أذن الله له في الكلام كقوله: فلا تسمع إلا همسا وقوله: فمنهم أي: من الأنفس أي: في ذلك اليوم شقي قال كتبت عليه الشقاوة. ابن عباس:
وسعيد كتبت عليه السعادة.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن محمود، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، نا محمد بن يونس الكديني، نا نا أبو عامر العقدي، عروة بن ثابت، عن عن الزهري، إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: ثم أفاق، فقال: إنه أتاني ملكان فظان غليظان فقالا: انطلق بنا نحاكمك إلى العزيز الأمين، فقال: خليا عنه فإنه ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه [ ص: 591 ] قوله: عبد الرحمن بن عوف فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق قال أغمي على هما من أصوات المحزونين. الزجاج:
وحكي عن أهل اللغة جميعا أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته.
ونحو هذا قال المفسرون، قال الضحاك، الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا رده في جوفه. ومقاتل:
والمعنى ما رواه في رواية ابن عباس قال: يريد ندامة، ونفسا عاليا، وبكاء لا ينقطع. عطاء
قوله: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما وكل ما علاك فهو سماء وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض.
والأكثرون على أن المراد بهذا التأبيد، كأنه قال: خالدين فيها أبدا.
قال ابن قتيبة، للعرب في معنى الأبد ألفاظ، تقول: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السماوات والأرض، وما اختلفت الجرة والدرة، وما أطت الإبل، وفي أشباه كثيرة لهذا ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم، قوله: وابن الأنباري: إلا ما شاء ربك قال هذا استثناء استثناه الله كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك. الفراء:
وعزيمتك على ضربه.
كذلك قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ولا يشاؤه، وقال وقع الاستثناء على معنى: لو شاء ألا يخلدهم لقدر. ابن الأنباري:
وقال الزجاج، وابن كيسان، الاستثناء يعود إلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب كأنه قال: خالدين فيها إلا هذه المدة ثم يصيرون إلى النار أبدا. وابن قتيبة:
وقوله: إن ربك فعال لما يريد قال يعني: من ابن عباس: إخراج أهل التوحيد من النار.
وأما الذين سعدوا وقرأ أهل الكوفة سعدوا بضم السين، قال كلام العرب: سعدوا، يقال: سعد الرجل وأسعده الله، إلا هذيلة فإنهم يقولون: سعد الرجل -بالضم- وبذلك قرأ أصحاب الفراء: عبد الله، وقال سعد وأسعد لغتان، قوله: الكسائي: نصب بما دل عليه الكلام كأنه قال: أعطاهم النعيم عطاء غير مجذوذ غير مقطوع، والجذ القطع. عطاء