قوله: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا
وآتينا موسى الكتاب ذكر الله في الآية الأولى إكرام محمد صلى الله عليه وسلم بأن أسرى به، ثم ذكر أنه أكرم موسى أيضا قبله، فقال: وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة، وجعلناه هدى لبني إسرائيل دللناهم به على الهدى، ألا تتخذوا من دوني وكيلا وقرأ أبو عمرو بالياء; لأن المعنى: هديناهم لئلا يتخذوا من دوني وكيلا، ومن قرأ بالتاء فهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغيبة مثل: الحمد لله رب العالمين ، ثم قال: إياك نعبد قال : أي لا تتوكلوا على غيري، ولا تتخذوا من دوني ربا. الزجاج
قوله: ذرية من حملنا مع نوح قال : هذا نداء، مجاهد نوح ; لأن من حمل مع والناس كلهم ذرية نوح في السفينة كانوا أبناءه وذريته.
ثم أثنى على نوح فقال: إنه كان عبدا شكورا قال المفسرون: كان نوح إذا أكل طعاما، أو [ ص: 97 ] لبس ثوبا حمد الله، فسمي عبدا شكورا.
قوله: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب أعلمناهم وأوحينا إليهم في التوراة، لتفسدن في الأرض بالمعاصي وخلاف أحكام التوراة في الأرض، يعني أرض مصر ، مرتين ولتعلن علوا كبيرا لتتعظمن على الطاعة، ولتبلغن.
فإذا جاء وعد أولاهما أولى المرتين، بعثنا عليكم خلينا بينكم وبينهم، عبادا لنا يعني جالوت وجنوده، أولي بأس شديد ذوي عدد وقوة في القتال، فجاسوا فطافوا وترددوا، خلال الديار والخلال: الانفراج بين الشيئين، قال : طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه؟ قال: والجوس طلب الشيء باستقصاء. الزجاج
وكان وعدا مفعولا قال : قضاء الله على القوم كما تسمعون. قتادة
ثم رددنا لكم الكرة عليهم قال : وقتل ابن عباس داوود جالوت ، وعاد ملكهم كما كان.
والكرة معناها الرجعة والدولة، وأمددناكم بأموال وبنين وأعطيناكم، وأكثرنا أموالكم وأولادكم، وجعلناكم أكثر نفيرا عددا وأنصارا منهم، قال : النفير العدد من الرجال. أبو عبيدة
قوله: إن أحسنتم أي: وقلنا لهم إن أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم قال : إن أطعتم الله، عفا عنك المساوئ. ابن عباس
وإن أسأتم بالفساد وعصيان الأنبياء، فلها قال: يريد فعلى أنفسكم يقع الوبال.
فإذا جاء وعد الآخرة وعد المرة الآخرة من إفسادكم، قال المفسرون: فأفسدوا المرة الثانية، فقتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام، فبعث الله عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه، فسبى، وقتل، وخرب بيت المقدس ، وسامهم سوء العذاب.
وجواب فإذا محذوف، تقديره فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم، ليسوءوا وجوهكم يقال: ساءه يسوؤه، أي أحزنه، والمعنى: ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم وتخريب بلادكم، وعديت [ ص: 98 ] المساءة إلى الوجوه، والمراد بها أصحابها، لما يبدوا فيها من أثر الحزن والكآبة، وقرأ ليسوء على واحد، أي: ليسوء الله، أو ليسوء البعث وجوهكم، وقرأ حمزة بالنون كقوله: بعثنا وأمددنا. الكسائي
وقوله: وليتبروا ما علوا تتبيرا يقال: تبره أي أهلكه، قال : كل شيء كسرته وفتنته فقد تبرته. الزجاج
والمعنى: ليدمروا ويخربوا ما علوا عليه.
قوله: عسى ربكم أن يرحمكم هذا ما أخبر الله به بني إسرائيل في كتابهم، والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل، ثم عاد الله عليهم برحمته حتى كثروا وانتشروا، ثم قال: وإن عدتم عدنا قال : وإن عدتم بالمعصية عدنا بالعقوبة. الحسن
قال إبراهيم : ثم عادوا فأعاد الله بالعرب.
وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا قال ، وغيره: سجنا ومحبسا. ابن عباس
وقال : يحصرون فيها. مجاهد
وهذا ابتداء إخبار عن الله في عقاب جميع الكافرين.