وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
وجعلنا الليل والنهار آيتين علامتين تدلان على قدرة خالقهما، فمحونا آية الليل أي: طمسنا نورها بما جعلنا فيها من السواد، يروى أن جبريل ، فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء ، الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء، فأرسل الله عز وجل [ ص: 99 ] وجعلنا آية النهار مبصرة مضيئة يبصر فيها، لتبتغوا فضلا من ربكم لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم، وتطلبون رزقكم، ولتعلموا عدد السنين والحساب بمحو آية الليل، ولولا ذلك ما كان يعرف الليل من النهار، وكان لا يتبين العدد، وكل شيء مما يحتاج إليه، فصلناه تفصيلا بيناه تبيينا لا يلتبس معه بغيره.
قوله: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه قال : عمله من خير وشر. مجاهد
قال : ما كتب له من خير وشر. السدي
وقال ، الحسن : سعادته وشقاوته بعمله. وقتادة
وقال في رواية مجاهد الحكم : مكتوب في ورقة معلقة في عنقه شقي أم سعيد.
ومعنى الطائر ما طار له من خير أو شر، أي: صار له عند قسمته، من قولهم: أمرت المال وطيرته من القوم فطار له سهمه، ذكرنا ذلك عند قوله: ألا إنما طائرهم عند الله قال الأزهري : والأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم ، علم المطيع من ذريته والعاصي، فكتب ما علم منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعا، وشقاوة من علمه عاصيا، فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه، فذلك قوله: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه أي: ما طار له في علم الله بدءا، و في عنقه عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس.
وقد روي في هذه الآية حديث مشروح، وهو ما:
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي ، أنا عبد الله بن محمد الحافظ ، أنا محمد بن الصباح ، نا عبد الله بن عمر ، نا محمد بن معلى ، نا عمرو بن صبح ، عن ، عن مقاتل بن حيان أبي الزبير ، عن ، سمعت أبي الطفيل ، يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: حذيفة بن أسيد " إن ، ولا يبقى منها شعر ولا بشر ولا عرق ولا عصب إلا دخلت فيه، حتى إنها لتدخل بين الظفر واللحم، فإذا مضى لها أربعون يوما، وأربعون ليلة، أهبطها الله إلى الرحم، فكانت علقة أربعين يوما وأربعين ليلة، ثم تكون مضغة أربعين يوما وأربعين ليلة، فإذا تمت لها أربعون، بعث الله إليها ملك الأرحام، فيخلق على يده لحمها ودمها وشعرها وبشرها، ثم يقول: صور، فيقول: يا رب، ما [ ص: 100 ] أصور؟ أذكر أم أنثى؟ أجميل أم دميم؟ أجعد أم سبط؟ أقصير أم طويل؟ أبيض أم آدم؟ زائد أم ناقص؟ أسوي أم غير سوي؟ فيكتب من ذلك ما يأمره الله به، ثم يقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فإن كان سعيدا نفخ فيه بالسعادة في آخر أجله، وإن كان شقيا نفخ فيه بالشقاوة في آخر أجله، ثم يقول: اكتب أثرها ورزقها ومصيبتها وعملها بالطاعة والمعصية، فسيكتب من ذلك ما يأمر الله به، ثم يقول الملك: يا رب، ما أصنع بهذا الكتاب؟ فيقول: علقه في عنقه إلى قضائي عليه، فذلك قوله، عز وجل: النطفة التي تخلق منها النسمة، تصير في المرأة أربعين يوما وأربعين ليلة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة الآية ، وإلى هذا ذهب كما ذكرنا عنه، فإذا كان يوم القيامة أظهر له ذلك الكتاب، فهو قوله: مجاهد ونخرج له يوم القيامة ، وقال : يابن الحسن آدم ، بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان، فهما عن يمينك وعن شمالك; فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة وهو قوله: كتابا يلقاه منشورا كقوله: وإذا الصحف نشرت وقرأ ابن عامر يلقاه من قولهم: لقيت فلانا، أي استقبلته به، قال الله تعالى: ولقاهم نضرة وسرورا .
قوله: اقرأ كتابك أي يقال له: اقرأ، والقول هاهنا مضمر، قال : يقرأه أميا كان أو غير أمي. الحسن
وقال : سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا. قتادة
كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا الحسيب المحاسب كالشريك والجليس، قال : عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. الحسن
والمعنى أن الإنسان يفوض إليه حسابه ليعلم عدل الله بين العباد، ويرى وجوب حجة الله عليه، واستحقاقه العقوبة، ثم إن كان مؤمنا دخل الجنة بفضل الله لا بعمله، وإن كان كافرا استوجب النار بكفره.