الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا  إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا  فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا  وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا  ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا  

                                                                                                                                                                                                                                      ويسألونك عن ذي القرنين الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا في ذي القرنين  ، فقال: مجاهد : كان نبيا.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول عبد الله بن عمرو ، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى.

                                                                                                                                                                                                                                      وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم ، أعطي ملكا، قال الزهري : وإنما سمي ذا القرنين ; لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها.

                                                                                                                                                                                                                                      واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين ; لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو الطفيل : أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا القول يرويه أبو الطفيل ، [ ص: 164 ] عن علي رضي الله عنه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: قل سأتلو عليكم منه ذكرا أي: خبرا يتضمن ذكره.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: إنا مكنا له في الأرض قال علي : سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا معنى تمكينه في الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وآتيناه من كل شيء سببا قال قتادة ، والوالبي ، عن ابن عباس : علما يتسبب به إلى ما يريد.

                                                                                                                                                                                                                                      وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فأتبع سببا قال المفسرون: طريقا.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج : فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا في المسير إلى المغرب.

                                                                                                                                                                                                                                      والقراءة الجيدة فأتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فأتبعه الشيطان .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس ، وقراءة ابن الزبير ، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصرابادي ، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن حامد العطار ، أنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار ، نا محمد بن عباد ، نا سفيان ، عن زياد بن أبي سعد ، سمع ابن حاضر يقول: اختلف ابن عباس ، وعمرو بن العاص عند معاوية ، فقال ابن عباس : في عين حمئة ، وقال عمرو : في عين حامية، فسألوا كعبا فقال: إني أجدها في كتاب الله: تغرب في طينة سوداء فقال: رجل لابن عباس : ألا أعينك؟ قال: بلى، قال: قال تبع:


                                                                                                                                                                                                                                      قد كان ذو القرنين عمرو مسلما ملكا تدين له الملوك وتسجد     بلغ المشارق والمغارب يبتغي
                                                                                                                                                                                                                                      أسباب أمر من حكيم مرشد      [ ص: 165 ] فرأى مغيب الشمس عند مغيبها
                                                                                                                                                                                                                                      في عين ذي خلب وثأط حرمد

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ووجد عندها قوما  أي: عند العين، قلنا يا ذا القرنين قال ابن الأنباري : إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا; لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وأوحينا إلى أم موسى أي ألهمناها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: إما أن تعذب الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة : قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة.

                                                                                                                                                                                                                                      فقال: أما من ظلم قال ابن عباس : أشرك.

                                                                                                                                                                                                                                      فسوف نعذبه نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثم يرد إلى ربه بعد قتلي إياه، فيعذبه عذابا نكرا يعني في النار.

                                                                                                                                                                                                                                      وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى قال الفراء : الحسنى الجنة.

                                                                                                                                                                                                                                      وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حق اليقين ، ولدار الآخرة وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري : جزاء نصب على المصدر.

                                                                                                                                                                                                                                      المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وسنقول له من أمرنا يسرا قولا جميلا.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية