الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا  قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا  فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا  

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أتبع سببا إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق.

                                                                                                                                                                                                                                      حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا قال الحسن ، وقتادة : لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه البناء.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى   .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 166 ] كذلك أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وقد أحطنا بما لديه خبرا علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أتبع سببا ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: حتى إذا بلغ بين السدين وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي : كل ما قابلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وجد من دونهما يعني: أمام السدين، قوما لا يكادون يفقهون قولا لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس : لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت ، وهاروت وماروت ، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فيهما بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث : الهمز لغة رديئة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن الأنباري : وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واستنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا في أبنية العرب، كان مقبولا في الألفاظ التي أصلها للعجم.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو منصور عبد القاهر بن طاهر ، نا أبو عمرو بن مطر ، أنا جعفر بن المستفاض ، نا محمد بن المصفى ، نا يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إسحاق ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة ، قال: سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن يأجوج ومأجوج  ، قال: يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربع مائة أمة، لا يموت الرجل منهم، حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه، كل قد حمل السلاح، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم ثلاث أصناف، صنف منهم أمثال الأرز، قلت: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: شجر بالشام ، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء; عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل، ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى، ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام ، وساقتهم بخراسان ، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط في الطول، ولهم مخالب في الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 167 ] وقال وهب : هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال السدي : الترك سرية من يأجوج ومأجوج ، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين ، فضرب السد فبقيت خارجه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال كعب : هم نادرة في ولد آدم ، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج ، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن عباس رضي الله عنه في رواية عطاء : هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: مفسدون في الأرض قال قتادة : هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه.

                                                                                                                                                                                                                                      فهل نجعل لك خرجا وقرئ خراجا قال ابن عباس : يريد جعلا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الليث : الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى في الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تأمنا على يوسف وقرأ ابن كثير بنونين من غير إدغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فيه من الاتساع في الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس : يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فأعينوني بقوة قال: يريد بقوة الأبدان.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : بعمل تعملونه معي.

                                                                                                                                                                                                                                      أجعل بينكم وبينهم ردما سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة.

                                                                                                                                                                                                                                      آتوني زبر الحديد قال ابن عباس : احملوها إلي.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الفراء : معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف.

                                                                                                                                                                                                                                      زبر الحديد قطعه واحدتها زبرة، قال ابن عباس : وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها.

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم في وجوه يأجوج ومأجوج ، فأتوه بها، فبناه، حتى إذا ساوى بين الصدفين سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري : يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصدفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات في هذه الكلمة [ ص: 168 ] فاشية، وقوله: قال انفخوا قال ابن عباس : على زبر الحديد بالكير.

                                                                                                                                                                                                                                      حتى إذا جعله نارا حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قال آتوني أفرغ عليه قطرا قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة : هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء.

                                                                                                                                                                                                                                      والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أفرغ علينا صبرا .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: فما اسطاعوا أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت : يقال: ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستتيع، وما أستيع أربع لغات.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال في الطاء، وقوله: أن يظهروه أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه.

                                                                                                                                                                                                                                      وما استطاعوا له نقبا يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فيه خرقا يخلص إلى ما وراءه.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن عبد العزيز المروزي ، في كتابه، أنا أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي ، أنا أبو زيد الخالدي ، أنا إسحاق بن إبراهيم ، أنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن يأجوج ومأجوج  يحفرونه في كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس; قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا، فيعيده الله، تعالى، كما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس; قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا إن شاء الله، واستثنى، فيعودون إليه وهو كهيئته، حين تركوه بالأمس، فيحفرونه فيخرجون على الناس، فينشفون المياه، وتتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون سهامهم إلى السماء، فترجع وفيها كهيئة الدماء، فيقولون: قد قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، إن دواب الأرض لتسمن، وتشكر من لحومهم شكرا، ولما فرغ ذو القرنين من بنائه قال هذا أي: هذا التمكين الذي أدركت به السد رحمة من ربي قال ابن عباس :

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 169 ] معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فإذا جاء وعد ربي يعني: القيامة، وقال الكلبي : أجل ربي أن يخرجوا منه.

                                                                                                                                                                                                                                      جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام في هذا في سورة الأعراف، وكان وعد ربي حقا يعني بالثواب والعقاب في القيامة، وقال الكلبي : وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية