الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : فسمع جبريل كلامها، وعرف جزعها: فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا  وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا [ ص: 181 ] جنيا  فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا  

                                                                                                                                                                                                                                      فناداها من تحتها وكان أسفل منها تحت الأكمة، ألا تحزني وهذا قول السدي ، وقتادة ، والضحاك : أن المنادي جبريل ، ناداها من سفح الوادي.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن قرأ فناداها من تحتها قال: هو عيسى ، وهو قول مجاهد ، والحسن بين الله لها الآية في عيسى ، فكلمها ليزول ما عندها من الوحشة والجزع، ألا تحزني قد جعل ربك تحتك أي: تحت قدميك، سريا وهو النهر، وكان نهرا قد انقطع الماء عنه، فأرسل الله الماء فيه لمريم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأحيا ذلك الجذع حتى أورق، وهو قوله: وهزي إليك الهز التحريك، يقال: هزه فاهتز.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: اجذبي إليك، بجذع النخلة والباء فيه زائدة، قال الفراء : العرب تقول: هزه وهز به.

                                                                                                                                                                                                                                      ومنه قوله: فليمدد بسبب معناه: فليمدد سببا، وقوله: تساقط عليك أي: تتساقط، فأدغمت التاء في السين، ومعناه: تسقط عليك النخلة، رطبا جنيا ، وقرأ حمزة تساقط مخففا، حذف التاء التي أدغمها غيره، وروى حفص ، عن عاصم تساقط على وزن تفاعل، وساقط بمعنى أسقط، والمساقطة والتساقط على ما ذكرنا بمعنى الإسقاط، والرطب: النضيج من البسر، والجني: بمعنى المجني، يقال: جنيت الثمرة واجتنيتها.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: فكلي أي: من الرطب، واشربي من السري، وقري عينا بولدك عيسى ، يقال: قررت به عينا أقر قرة، بعضهم يقول: قررت أقر، وجاء في التفسير: طيبي نفسا.

                                                                                                                                                                                                                                      فإما ترين أصله إما تري، ثم دخله نون التوكيد، فكسر الياء لالتقاء الساكنين، كما تقول للمرأة: اخشين زيدا.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: فإما ترين، من البشر أحدا فسألك عن ولدك، فقولي إني نذرت للرحمن صوما قال ابن عباس : صمتا.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: أوجبت على نفسي لله أن لا أتكلم.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة : صامت من الكلام والطعام.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال السدي ، وابن زيد : كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد، صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم الصائم حتى يمسي.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 182 ] يدل على هذا قوله: فلن أكلم اليوم إنسيا أي: إني صائمة فلا أكلم اليوم أحدا، وكان قد أذن لها أن تتكلم بهذا القدر، ثم تسكت ولا تتكلم بشيء آخر.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن مسعود ووهب : أمرت بالصمت لأنها لم تكن لها حجة عند الناس في شأن ولدها  ، فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ ساحتها.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية