الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم  وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت [ ص: 318 ] أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم  ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وأنكحوا الأيامى منكم يقال: فلانة أيم إذا لم يكن لها زوج، بكرا كانت أو ثيبا، والجمع أيامى، والأصل أيائم فقلبت، ورجل أيم لا زوج له، قال السدي: من لم يكن له زوج من امرأة أو رجل فهو أيم.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول جماعة المفسرين، والمعنى: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، وهذا الأمر ندب واستحباب.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، نا محمد بن يعقوب، أنا محمد بن إسحاق الصغاني، أنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عبيد بن سعد، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح".  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو منصور البغدادي، أنا محمد بن عبد الله بن علي بن زياد، نا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي، نا سعيد بن واقد، نا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أنا أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني، أنا عبد الله بن زيدان البجلي، نا أبو كريب، نا المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: لقيني ابن عباس في حجة حجها، فقال: تزوجت؟ قلت: لا، قال: فتزوج، قال: ولقيني في العام المقبل، فقال: هل تزوجت؟ فقلت: لا، فقال: اذهب فتزوج، فإن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء؛ يعني: النبي، صلى الله عليه وسلم والصالحين من عبادكم وإمائكم  قال مقاتل: يقول: زوجوا المؤمنين من عبادكم وإمائكم، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، فمعنى الصلاح هاهنا الإيمان، ثم رجع إلى الأحرار، فقال: إن يكونوا فقراء لا سعة لهم للتزوج، يغنهم الله من فضله وعدهم أن يوسع عليهم عند التزوج، قال الزجاج: حث الله على النكاح، وأعلم أنه سبب لنفي الفقر.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: ما رأيت مثل رجل لم يلتمس الغنى في الباءة، والله  يقول: إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله .

                                                                                                                                                                                                                                      والله واسع لخلقه، عليم بهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا أي: وليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد ما ينكح به من صداق ونفقة، حتى يغنيهم الله من فضله يوسع عليهم من رزقه، والذين يبتغون الكتاب يطلبون المكاتبة، مما ملكت أيمانكم من العبيد والإماء، يقال: كاتب الرجل عبده وأمته مكاتبة وكتابا فهو مكاتب، والعبد مكاتب، [ ص: 319 ] وهو أن يقول: كاتبت على أن تعطيني كذا وكذا في نجوم معلومة، فإذا أدى ذلك فالعبد حر، ولا بد من التنجيم، وأقله نجمان وصاعدا، ولا يصح جمعه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه يصح والآية عليه؛ لأن أصل الكتاب من الكتب وهو الضم والجمع، وأقل ما يقع عليه الضم والجمع نجمان، وهو أن العبد يجمع نجوم المال إلى مولاه، ولا يجوز أن يكاتب عبدا غير بالغ ولا عاقل لقوله: والذين يبتغون الكتاب ولا يصح الطلب من الأطفال والمجانين، وعند أبي حنيفة: إذا كان العبد مراهقا يجوز أن يكاتب، والآية حجة عليه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فكاتبوهم أمر ندب واستحباب في قول الجمهور، وقال قوم: إنه أمر إيجاب.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول عمرو بن دينار، وعطاء، ورواية عطية عن ابن عباس.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: إن علمتم فيهم خيرا أكثر المفسرين قالوا: يعني المال.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول مجاهد، وعطاء، والضحاك، وطاوس، والمقاتلين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن: إن كان عنده مال وكاتبه، وإلا فلا تعلق عليه صحيفة يغدو بها على الناس ويروح فيسألهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال عبد لسلمان: كاتبني.

                                                                                                                                                                                                                                      فقال: مال؟ قال: لا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال: أفتطعمني أوساخ الناس: فأبى عليه، وكان قتادة يكره أن يكاتب العبد لا يكاتبه إلا ليسأل الناس.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: إن علمتم فيهم خيرا قوة على الكسب، وأداء المال.

                                                                                                                                                                                                                                      هو قول ابن عمرو، وابن زيد، واختيار مالك والشافعي والفراء والزجاج.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج: إن علمتم أنهم يكسبون ما يؤدونه.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا القول أصح لأنه لو أريد بالخير المال لقيل: إن علمتم لهم خيرا، فلما قال عليهم كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم يقول: حطوا عنهم من نجوم الكتابة شيئا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال مجاهد: ربع المال.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الآخرون: لا يتقدر بشيء يحط عنه ما أحب، أو يرد عليه شيئا مما يأتيه به، أو يعطيه مما في يده شيئا يستعين به على أداء المال.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء يعني: إماءكم وولائدكم على الزنا، نزلت في عبد الله بن أبي كان يكره جواري له على الكسب بالزنا، وقوله: إن أردن تحصنا قال ابن عباس: تعففا وتزويجا، وإنما شرط إرادة التحسن لأن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فإن لم ترد بغت بالطبع.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: لتبتغوا عرض الحياة الدنيا أي: من كسبهن وبيع أولادهن ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم يعني للمكرهات.

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات يعني: ما ذكر في هذه السورة من الحلال والحرام، ومثلا من الذين خلوا من قبلكم أي: شبها من حالهم بحالكم أيها المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين، وموعظة للمتقين نهيا للذين يتقون الشرك والكبائر.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية