الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون  لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون  وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين  ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون  لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون  أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون  أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون  قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين  

[ ص: 197 ] ثم قال : إن المجرمين ، يعني المشركين المسرفين ، في عذاب جهنم خالدون ، يعني لا يموتون.

لا يفتر عنهم ، العذاب طرفة عين ، وهم فيه ، يعني في العذاب ، مبلسون ، يعني آيسين من كل خير ، مستيقنين بكل عذاب ، مبشرين بكل سوء ، زرق الأعين ، سود الوجوه.

ثم قال : وما ظلمناهم ، فنعذب على غير ذنب ، ولكن كانوا هم الظالمين . ونادوا في النار : يا مالك ، وهو خازن جهنم ، فقال : ماذا تريدون ؟ قالوا : ليقض علينا ربك ، فيسكت عنهم مالك ، فلا يجيبهم مقدار أربعين سنة ، ثم يوحي الله تعالى إلى مالك بعد أربعين أن يجيبهم ، فرد عليهم مالك : قال إنكم ماكثون ، في العذاب ، يقول : مقيمون فيها.

فقال مالك : لقد جئناكم بالحق في الدنيا ، يعني التوحيد ، ولكن أكثركم للحق كارهون . قوله : أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ، يقول : أم أجمعوا أمرا ، وذلك أن نفرا من قريش ، منهم : أبو جهل بن هشام ، وعتبة ، وشيبة ابنا ربيعة ، وهشام بن عمرو ، وأبو البحتري بن هشام ، وعقبة بن أبي معيط ، وعيينة بن حصن الفزاري ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأبي بن خلف ، بعد موت أبي طالب ، اجتمعوا في دار الندوة بمكة ليمكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم سرا عند انقضاء المدة ، فأتاهم إبليس في صورة شيخ كبير ، فجلس إليهم ، فقالوا له : ما أدخلك في جماعتنا بغير إذننا ؟ قال عدو الله : أنا رجل من أهل نجد ، وقدمت مكة فرأيتكم حسنة وجوهكم ، طيبة ريحكم ، فأردت أن أسمع حديثكم ، وأشير عليكم ، فإن كرهتم مجلسي خرجت من بينكم.

فقال بعضهم لبعض : هذا رجل من أهل نجد ، ليس من أهل مكة ، فلا بأس عليكم منه ، فتكلموا بالمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو البحتري بن هشام ، من بني أسد بن عبد [ ص: 198 ] العزى : أما أنا ، فأرى أن تأخذوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فتجعلوه في بيت وتسدوا عليه بابه ، وتجعلوا له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت ، فقال إبليس : بئس الرأي رأيتم ، تعمدون إلى رجل له فيكم صغو ، قد سمع به من حولكم ، تحبسونه في بيت ، وتطعمونه وتسقونه ، فيوشك الصغو الذي له فيكم أن يقاتلكم عنه ، ويفسد جماعتكم ، ويسفك دماءكم ، قالوا : صدق والله الشيخ.

فقال هشام بن عمرو ، من بني عامر بن لؤي : أما أنا ، فأرى أن تحملوه على بعير ، فتخرجوه من أرضكم ، فيذهب حيث شاء ، ويليه غيركم ، فقال إبليس : بئس الرأي رأيتم ، تعمدون إلى رجل قد أفسد عليكم جماعتكم ، وتبعه طائفة منكم ، فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم كما أفسدكم ، فيوشك بالله أن يميل بهم عليكم ، فقال أبو جهل : صدق والله الشيخ.

فقال أبو جهل بن هشام : أما أنا ، فأرى أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش ، فتأخذون من كل بطن منهم رجلا ، فتعطون كل رجل منهم سيفا ، فيضربونه جميعا ، فلا يدري قومه من يأخذون به ، وتؤدي قريش ديته ، فقال إبليس : صدق والله الشاب ، إن الأمر لكم.

قال : فتفرقوا عن قول أبي جهل ، فنزل جبريل ، عليه السلام ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما ائتمروا به ، وأمره بالخروج ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من ليلته إلى الغار ، وأنزل الله تعالى في شرهم الذي أجمعوا عليه : أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ، يقول : أم أجمعوا أمرهم على محمد صلى الله عليه وسلم بالشر ، فإنا مجمعون أمرنا على ما يكرهون ، فعندها قتل هؤلاء النفر ببدر
.

يقول : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم الذي بينهم ، ونجواهم الذي أجمعوا عليه ليثبتوك في بيت ، أو يخرجوك من مكة ، أو يقتلوك ، بلى نسمع ذلك منهم ، ورسلنا الملائكة الحفظة ، لديهم ، يعني عندهم يكتبون . قل يا محمد : إن كان للرحمن ولد ، يعني ما كان للرحمن ولد ، فأنا أول العابدين ، وذلك أن النضر بن الحارث ، من بني عبد الدار بن قصي ، قال : إن الملائكة بنات الله ، فأنزل الله عز وجل : قل يا محمد : إن كان للرحمن ولد ، يعني ما كان للرحمن ولد ، فأنا أول العابدين ، يعني الموحدين من أهل مكة بأن لا ولد.

[ ص: 199 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية