وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون
ثم عظم نفسه عن شركهم ، فقال : وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة يعني القيامة ، وإليه ترجعون ، يعني تردون في الآخرة ، فيجازيكم بأعمالكم.
ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ، يقول : لا تقدر الملائكة الذين يعبدونهم من دون الله الشفاعة ، وذلك أن النضر بن الحارث ونفرا معه ، قالوا : إن كان ما يقول محمد حقا ، فنحن نتولى الملائكة ، وهم أحق بالشفاعة من محمد صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : ولا يملك ، يقول : ولا يقدر ، الذين يدعون من دونه ، وهم الملائكة ، الشفاعة ، يقول : لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله على الشفاعة لأحد ، ثم استثنى ، فقال : إلا من شهد بالحق ، يعني بالتوحيد من بني آدم ، فذلك قوله : [ ص: 200 ] وهم يعلمون أن الله واحد لا شريك له ، فشفاعتهم لهؤلاء.
قوله : ولئن سألتهم من خلقهم ، يعني أهل مكة كفارهم ، ليقولن الله ، وذلك أنه لما نزلت في أول هذه السورة : خلق السماوات والأرض ، نزلت في آخرها : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : "من خلقكم ورزقكم وخلق السماوات والأرض ؟ " ، فقالوا : الله خالق الأشياء كلها ، وهو خلقنا ، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم : فأنى يؤفكون ، يقول : من أين يكذبون بأنه واحد لا شريك له ، وأنتم مقرون أن الله خالق الأشياء وخلقكم ، ولم يشاركه أحد في ملكه فيما خلق ؟ فكيف تعبدون غيره ؟ .
فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا رب ، وقيله يا رب إن هؤلاء ، يعني كفار مكة ، قوم لا يؤمنون ، يعني لا يصدقون ، وذلك أنه لما قال أيضا في الفرقان : إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ، قال الله تعالى يسمع قوله ، فيها تقديم : يا رب إن هؤلاء ، يعني كفار مكة ، قوم لا يؤمنون ، يعني لا يصدقون بالقرآن أنه من الله عز وجل.
يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : فاصفح عنهم ، يعني فأعرض عنهم ، فيها تقديم ، وقل سلام ، اردد عليهم معروفا ، فسوف يعلمون ، هذا وعيد ، حين ينزل بهم العذاب ، فنسخت آية السيف الإعراض والسلام ، وذكر وعيدهم في حم المؤمن ، فقال : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون .
[ ص: 201 ]