الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين  من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين  ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين  إن هؤلاء ليقولون  إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين  فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين  أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين  وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين  ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون

ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ، يعني الهوان ، وذلك أن بني إسرائيل آمنت بموسى وهارون ، فمن ثم قال فرعون : اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ، فلما هم بذلك ، قطع الله بهم البحر مع ذرياتهم وذراريهم ، وأغرق فرعون ومن معه من القبط ، ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ، يعني الهوان من فرعون من قتل الأبناء ، واستحياء النساء ، يعني البنات ، قبل أن يبعث الله عز وجل موسى رسولا ، مخافة أن يكون هلاكهم في سببه من فرعون للذي أخبره به الكهنة أنه يكون ، وأنه يغلبك على ملكك.

ثم قال : من فرعون إنه كان عاليا عن التوحيد ، من المسرفين ، يعني من المشركين.

[ ص: 206 ] ثم رجع إلى بني إسرائيل ، فقال : ولقد اخترناهم على علم علمه الله عز وجل منهم ، على العالمين ، يعني عالم ذلك الزمان.

وآتيناهم ، يقول : وأعطيناهم من الآيات حين فلق البحر وأهلك عدوهم فرعون ، وظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، والحجر والعمود والتوراة ، فيها بيان كل شيء ، فكل هذا الخير ابتلاهم الله به ، فلم يشكروا ربهم ، فذلك قوله : وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ، يعني النعم البينة ، كقوله : إن هذا لهو البلاء المبين ، يعني النعم البينة.

قوله : إن هؤلاء ليقولون ، يعني كفار مكة.

إن هي إلا موتتنا الأولى ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : "إنكم تبعثون من بعد الموت" ، فكذبوه ، فقالوا : إن هي إلا حياتنا الدنيا ، وما نحن بمنشرين ، يعني بمبعوثين من بعد الموت.

ثم قال : فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ، أنا نحيا من بعد الموت ، وذلك أن أبا جهل بن هشام قال في الرعد : يا محمد ، إن كنت نبيا فابعث لنا رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا ، منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان صادقا ، وكان إمامهم ، فنسألهم فيخبرونا عن ما هو كائن بعد الموت ، أحق ما تقول أم باطل ؟ إن كنت صادقا بأن البعث حق ، نظيرها في الجاثية قوله : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، وما البعث بحق.

فخوفهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية ، فقال : أهم خير أم قوم تبع لأن قوم تبع أقرب في الهلاك إلى كفار مكة ، والذين من قبلهم من الأمم الخالية ، أهلكناهم بالعذاب ، إنهم كانوا مجرمين ، يعني مذنبين مقيمين على الشرك منهمكين عليه.

قوله : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ، يعني عابثين لغير شيء ، يقول : لم أخلقهما باطلا ، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن.

ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم ، يعني كفار مكة ، لا يعلمون ، أنهما لم يخلقا باطلا.

[ ص: 207 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية