إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا
ثم ذكر المؤمنين فقال: إن للمتقين مفازا يعني النجاة من ذلك العذاب الذي سماه للطاغين قال: حدائق يعني البساتين قد حدقت حواليها الحيطان وأعنابا يعني الفواكه وكواعب يعني النساء الكاعبة يعني عذارى يسكن في الجنة للرجال وقسموا لهن أترابا يعني مستويات على ميلاد واحد بنات ثلاث وثلاثين سنة، وذلك أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة قام ملك على قصر من ياقوت شرفه كاللؤلؤ المكنون فينادي بصوت رفيع يسمع أهل الجنة أولهم وآخرهم وأسفلهم وأعلاهم، فيقول أين الذين كانوا نزهوا أسماعهم عن قينات الدنيا ومعازفها، قال ويأمر الله عز وجل جواري فيرفعن أصواتهن جميعا.
ثم قال: وكأسا دهاقا يعني وشرابا كثيرا لا يسمعون فيها إذا شربوا لغوا يعني حلف الباطل ولا كذابا يقول: ولا يكذبون على شرابهم كما يكذب أهل الدنيا إذا شربوا، ثم جمع أهل النار وأهل الجنة فقال: جزاء يعني ثوابا من ربك عطاء حسابا يعني يحاسب المسيئين فيجازيهم بالنار، ويحاسب المؤمنين فيجازيهم بالجنة، فأعطى هؤلاء وهؤلاء جزاءهم ولم يظلم هؤلاء المعذبين شيئا، فذلك قوله: عطاء حسابا نظيرها في الشعراء: إن حسابهم إلا على ربي يقول: إن جزاؤهم إلا على ربي، ثم عظم الرب تعالى نفسه ودل على صنعه فقال: رب السماوات والأرض وما بينهما يعني الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، [ ص: 444 ] والرياح، قال: هو الرحمن الرحيم، وهم لا يملكون منه خطابا يعني المناجاة، إذا استوى للحساب ثم أخبرهم متى يكون ذلك ؟ فقال: يوم يقوم الروح وهو الملك الذي قال الله عز وجل عنه: ويسألونك عن الروح وجهه وجه آدم ، عليه السلام، ونصفه من نار، ونصفه من ثلج، فيسبح بحمد ربه ويقول: رب كما ألفت بين هذه النار وهذا الثلج، لا تذيب هذه النار هذا الثلج، ولا يطفئ هذا الثلج هذه النار، فكذلك ألف بين عبادك المؤمنين، فاختصه الله تعالى من بين الخلق من عظمه، فقال: يوم يقوم الروح ثم انقطع الكلام، فقال: والملائكة صفا لا يتكلمون من الخوف أربعين عاما، إلا من أذن له الرحمن بالكلام وقال صوابا يعني شهادة ألا إله إلا الله، فذلك الصواب ذلك اليوم الحق لأن العرب قالوا: إن القيامة باطل، فذلك قوله: اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا يعني منزلة يعني الأعمال الصالحة، ثم خوفهم أيضا العذاب في الدنيا فقال: إنا أنذرناكم عذابا قريبا يعني في الدنيا القتل ببدر ، وهلاك الأمم الخالية، وإنما قال قريبا لأنها أقرب من الآخرة، ثم رجع إلى القول الأول حين قال: يوم يقوم الروح والملائكة صفا فقال: يوم ينظر المرء ما قدمت يداه يعني الإنسان الخاطئ يرى عمله أسود مثل الجبل ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا وذلك أن الله عز وجل يجمع الوحوش والسباع يوم القيامة فيقتص لبعضهم من بعض حقوقهم، حتى ليأخذ للجماء من القرناء بحقها، ثم يقول لهم: كونوا ترابا فيتمنى الكافر لو كان خنزيرا في الدنيا ثم صار ترابا كما كانت الوحوش والسباع ثم صارت ترابا.
[ ص: 445 ]