سورة النبإ
مكية عددها أربعون آية كوفي
بسم الله الرحمن الرحيم
عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا
عم يتساءلون عن النبإ العظيم استفهام للنبي صلى الله عليه وسلم عن أي شيء يتساءلون نزلت في أبي لبابة وأصحابه، وذلك أن كفار مكة كانوا يجتمعون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمعون حديثه إذا حدثهم خالفوا قوله، واستهزءوا منه وسخروا، فأنزل الله تعالى: أن إذا سمعتم يا محمد ) آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) .
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث المؤمنين فإذا رأى رجلا من المشركين كف عن الحديث حتى يذهب، ثم أقبلوا بجماعتهم فقالوا: يا محمد أبخلت بما كنت تحدثنا ؟ لو أنك حدثتنا عن القرون الأولى فإن حديثك عجب، قال: لا، والله لا أحدثكم بعد يومي هذا وربي قد نهاني عنه فأنزل الله تعالى: " عم يتساءلون عن النبإ العظيم يعني القرآن كقوله: قل هو نبأ عظيم لأنه كلام الله تعالى، قال الذي هم فيه مختلفون يقول: لم يسألون عن القرآن وهم يخالفونه، ولا يؤمنون به ؟ فصدق بعضهم به، وكفر بعضهم به، فاختلفوا فيه، ثم خوفهم الوعيد، فقال: كلا سيعلمون إذا قتلوا ببدر وتوفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم، يضربون وجوههم وأدبارهم، ثم قال: ثم كلا سيعلمون وعيد على أثر وعيد نزلت في حيين من أحياء العرب [ ص: 440 ] يعني عبد مناف بن قصي، وبني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، نظيرها في ألهاكم التكاثر ثم ذكر صنعه ليعتبروا إذا بعثوا يوم القيامة وقد كذبوا بالقيامة والبعث فعظم الرب نفسه تبارك وتعالى فقال: ألم نجعل الأرض مهادا يعني فراشا وأيضا بساطا مسيرة خمسمائة عام والجبال أوتادا على الأرض لئلا تزول بأهلها فاستقرت وخلق الجبال بعد خلق الأرض.
ثم قال: وخلقناكم أزواجا يعني أصنافا ذكورا وإناثا، سودا وبيضا وحمرا وأدما، ولغات شتى، فذلك قوله: وخلقناكم أزواجا فهذا كله عظمته، ثم ذكر نعمته فقال: وجعلنا نومكم سباتا يقول: إذا دخل الليل أدرككم النوم فتستريحون، ولولا النوم ما استرحتم أبدا من الحرص وطلب المعيشة، فذلك قوله: سباتا لأنه يسبت والنائم مسبوت كأنه ميت لا يعقل وجعلنا الليل لباسا يعني سكنا، كقوله: هن لباس لكم يعني سكنا لكم فألبسكم ظلمته على خير وشر كثير، ثم قال: وجعلنا النهار معاشا لكي تنتشروا لمعيشتكم فهذان نعمتان من نعم الله عليكم، ثم ذكر ملكه وجبروته وارتفاعه فقال: وبنينا فوقكم سبعا شدادا يعني بالسبع السماوات وغلظ كل سماء مسيرة عام، وبين كل سماءين مثل ذلك، نظير في المؤمنين: خلقنا فوقكم سبع طرائق فذلك قوله: شدادا قال: وهي فوقكم يا بني آدم فاحذروا، لا تخر عليكم إن عصيتم.
ثم قال: وجعلنا سراجا وهاجا يعني الشمس وحرها مضيئا، يقول: جعل فيها نورا وحرا، ثم ذكر نعمه فقال: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا يعني مطرا كثيرا منصبا يتبع بعضه بعضا، وذلك أن الله عز وجل يرسل الرياح فتأخذ الماء من سماء الدنيا من بحر الأرزاق، ولا تقوم الساعة ما دام به قطرة ماء، فذلك قوله: وفي السماء رزقكم وما توعدون قال تجيء الرياح فتثير سحابا فتلحقه، ثم تمطر وتخرج الريح والمطر جميعا من خلل السحاب، قال: لنخرج به 6 يعني بالمطر حبا يعني بالحبوب كل شيء يزرع ويحصد من البر والشعير والسمسم ونحوها من الحبوب، قال: ونباتا يعني كل شيء ينبت في الجبال والصحاري من الشجر والكلإ فذلك النبات، وهي تنبت عاما بعام من قبل نفسها وجنات ألفافا يعني وبساتين ملتفة بعضها إلى بعض من كثرة الشجر.