يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا
يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله ، فلما أصبحوا رأوا رجلا يسمى مرداس بن عمرو بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أهل فدك، معه غنيمة له، فلما رأى الخيل ساق غنيمته حتى أحرزها في الجبل، وكان قد أسلم من الليل وأخبر أهله بذلك، فلما دنوا منه كبروا، فسمع التكبير، فعرفهم، فنزل إليهم، فقال: سلام عليكم، إني مؤمن، فحمل عليه من أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي بني عبد ود، فقال مرداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده [ ص: 250 ] فطعنه أسامة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه، فلما قدم المدينة أخبر أسامة النبي صلى الله عليه وسلم، فلامه النبي ملامة شديدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قتلته وهو يقول: لا إله إلا الله؟ "، قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أفلا شققت عن قلبه، فتنظر صدق أم لا "، قال: يا رسول الله، كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده، فقال: " فلا صدقته بلسانه، ولا أنت شققت عن قلبه فيبين لك "، فقال: استغفر لي يا رسول الله، قال: " فكيف لك بلا إله إلا الله "، يقول ذلك ثلاث مرات، فاستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم الرابعة.
قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة. قال ، رحمه الله: مقاتل فعاش أسامة زمن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، رضي الله عنهم، حتى أدرك ، رضي الله عنه، فدعاه علي بن أبي طالب علي ، رحمه الله، إلى القتال، فقال أسامة: ما أحد أعز علي منك، ولكن لا أقاتل مسلما بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كيف لك بلا إله إلا الله؟ ".
فإن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قال السيف: هذا مسلم، وإن ضربت به كافرا، قال لي: هذا كافر، قاتلت معك، فقال له علي: اذهب حيث شئت، يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ، يعني سرتم غزاة في سبيل الله، فأنزل الله عز وجل: فتبينوا من تقتلوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ، يعني مرداسا ، وذلك أنه قال لهم: السلام عليكم إني مؤمن، لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ، يعني غنم مرداس ، فعند الله مغانم كثيرة في الآخرة والجنة، كذلك ، يعني هكذا، كنتم من قبل الهجرة بمنزلة مرداس تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقوكم، فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بمثله قبل هجرتكم، فمن الله عليكم بالهجرة فهاجرتم، فتبينوا إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما، إن الله كان بما تعملون خبيرا ، فقال أسامة: والله لا أقتل رجلا بعد هذا يقول: لا إله إلا الله.