الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا  ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا  فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا  وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما  وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا  بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما  وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا  

[ ص: 268 ] يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ، نزلت في اليهود، وذلك أن كعب بن الأشرف ، وفنحاص اليهودي ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا بأنك رسول، فائتنا بكتاب غير هذا، مكتوب في السماء جملة واحدة كما جاء به موسى، فذلك قوله: يسألك أهل الكتاب إلى قوله سبحانه: فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ، يعني معاينة، فأخذتهم الصاعقة ، يعني الموت، بظلمهم لقولهم: أرنا الله جهرة معاينة، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات ، يعني الآيات التسع، فعفونا عن ذلك ، فلم نستأصلهم جميعا عقوبة باتخاذهم العجل، وآتينا موسى سلطانا مبينا ، يعني حجة بينة، يعني اليد والعصى.

ورفعنا فوقهم الطور ، يعني الجبل فوق رءوسهم، رفعه جبريل، عليه السلام، وكانوا في أصل الجبل، فرفع الطور فوق رءوسهم، بميثاقهم ; لأن يقروا بما في التوراة، وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ، يعني باب حطة، وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ، أي لا تعدوا في أخذ الحيتان يوم السبت، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ، يعني شديدا، والميثاق إقرارهم بما عهد الله عز وجل في التوراة.

فبما نقضهم ميثاقهم ، يعني فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة، وكفرهم بآيات الله ، يعني الإنجيل والقرآن، وهم اليهود، وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف ، [ ص: 269 ] وذلك حين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم: وقتلهم الأنبياء عرفوا أن الذي قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حق، وقالوا: قلوبنا غلف ، يعني في أكنة عليها الغطاء، فلا تفقه ولا تفهم ما تقول يا محمد، كراهية ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من كفرهم بالإنجيل والفرقان، يقول الله تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم ، يعني ختم على قلوبهم، فلا يؤمنون إلا قليلا ، يقول: ما أقل ما يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون البتة.

وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ، وذلك أن اليهود قذفوا مريم، عليها السلام، بيوسف بن ماثان بالزنا، وكان ابن عمها، وكان قد خطبها، ومريم ابنة عمران بن ماثان، وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ، ولم يقولوا: رسول الله، ولكن الله عز وجل قال: رسول الله ، ثم قال تعالى: وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم بصاحبهم الذي قتلوه، وكان الله عز وجل قد جعله على صورة عيسى فقتلوه، وكان المقتول لطم عيسى، وقال لعيسى حين لطمه، أتكذب على الله حين تزعم أنك رسوله، فلما أخذه اليهود ليقتلوه، قال لليهود: لست بعيسى، أنا فلان، واسمه يهوذا ، فكذبوه وقالوا له: أنت عيسى، وكانت اليهود جعلت المقتول رقيبا على عيسى صلى الله عليه وسلم، فألقى الله تعالى ذكره شبهه على الرقيب فقتلوه.

ثم قال سبحانه: وإن الذين اختلفوا فيه ، يعني في عيسى، وهم النصارى، فقال بعضهم: قتله اليهود، وقال بعضهم: لم يقتل، لفي شك منه في شك من قتله، ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ، يقول: وما قتلوا ظنهم يقينا، يقول: لم يستيقنوا قتله، كقول الرجل: قتلته علما، فأكذب الله عز وجل اليهود في قتل عيسى صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: بل رفعه الله إليه إلى السماء حيا في شهر رمضان في ليلة القدر، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، رفع إلى السماء من جبل بيت المقدس، فذلك قوله سبحانه: بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ، يعني عزيزا منيعا حين منع عيسى من القتل، حكيما حين حكم رفعه، قال: وترك عيسى صلى الله عليه وسلم بعد رفعه خفين، ومدرعة، وحذافة يحذف بها الطير،  وقالت عائشة، رضي الله عنها: وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته إزارا غليظا، وكساء، ووسادة أدم حشوها ليف.  

وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ، يعني وما من أهل الكتاب، يعني اليهود، إلا [ ص: 270 ] ليؤمنن به ، يعني بعيسى صلى الله عليه وسلم، قبل موته أنه نبي رسول قبل موت اليهودي، يعني عند موته ; لأن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وتقول: يا عدو الله، إن المسيح الذي كذبتم به، هو عبد الله ورسوله حقا، فيؤمن به ولا ينفعه، ويؤمن به من كان منهم حيا إذا نزل عيسى صلى الله عليه وسلم، فينزل عيسى صلى الله عليه وسلم على ثنية يقال لها: أفيق، دهين الرأس، عليه ممصرتان، ومعه حربة يقتل بها الدجال،  فقيل لابن عباس ، رحمه الله: فمن غرق من اليهود، أو أحرق بالنار، أو أكله السبع، قال: لا تخرج روحه حتى يؤمن بعيسى صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى: ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا أنه قد بلغهم الرسالة.

التالي السابق


الخدمات العلمية