الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم  يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام  أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون  

وقوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ، يعني ببعض الصيد، فخص صيد البر خاصة، ولم يعم الصيد كله ; لأن للبحر صيدا، تناله أيديكم ، يقول: تأخذون صغار الصيد بأيديكم أخذا بغير سلاح، ثم قال سبحانه: ورماحكم ، يعني وسلاحكم النبل والرماح، بها يصيبون كبار الصيد، وهو عام حبس النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، وأقام بالتنعيم، فصالحهم على أن يرجع عامه ذلك، ولا يدخل مكة، فإذا كان العام المقبل، أخلوا له مكة فدخلها في أصحابه، رضي الله عنهم، وأقام بها ثلاثا، ورضى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنحر البدن مائة بدنة، فجاءت السباع والطير تأكل منها، فنهى الله عز وجل عن قتل الصيد في الحرم،  ليعلم الله ، لكي يرى الله، من يخافه بالغيب ، يقول: من يخاف الله عز وجل ولم يره، فلم يتناول الصيد، وهو محرم، فمن اعتدى بعد ذلك ، يقول: فمن أخذ الصيد عمدا بعد النهي، فقتل الصيد وهو محرم، فله عذاب أليم ، يعني ضربا وجيعا، ويسلب ثيابه، ويغرم الجزاء، وحكم ذلك إلى الإمام، فهذا العذاب الأليم.

قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ، وذلك أن أبا بشر، واسمه: عمرو بن مالك الأنصاري ، كان محرما في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمار [ ص: 322 ] وحش، فنزلت فيه: لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه، فجزاء ، يعني جزاء الصيد، مثل ما قتل من النعم ، يعني من الأزواج الثمانية إن كان قتل عمدا أو خطأ، أو أشار إلى الصيد فأصيب، فعليه الجزاء، يحكم به ذوا عدل منكم ، يعني يحكم بالكفارة رجلان من المسلمين عدلين فقيهين يحكمان في قاتل الصيد جزاء مثل ما قتل من النعم، إن قتل حمار وحش، أو نعامة، ففيها بعير ينحره بمكة، يطعم المساكين ولا يأكل هو ولا أحد من أصحابه، وإن كان من ذوات القرون الأيل والوعل ونحوهما، فجزاؤه أن يذبح بقرة للمساكين، وفي الطير ونحوها جزاؤه أن يذبح شاة مسنة، وفي الحمام شاة، وفي بيض الحمام إذا كان فيه فرخ درهم، وإن لم يكن فيه فرخ، فنصف درهم، وفي ولد الحمار الوحش ولد بعير مثله، وفي ولد النعامة ولد بعير مثله، وفي ولد الأيل والوعل ونحوه ولد بقرة مثله، وفي فرخ الحمام ونحوه ولد شاة مثله، وفي ولد الظبي ولد شاة مثله.

هديا بالغ الكعبة ، يعني ينحر بمكة، كقوله سبحانه في الحج: ثم محلها إلى البيت العتيق ، تذبح بأرض الحرم، فتطعم مساكين مكة، أو كفارة طعام مساكين ، لكل مسكين نصف صاع حنطة، أو عدل ذلك صياما ، يقول: إن لم يقدر على الهدي ولا على ثمنه، ولا على إطعام المساكين، فليصم مكان كل مسكين يوما، ينظر ثمن الهدي فيجعله دراهم، ثم ينظر كم يبلغ الطعام بتلك الدراهم بسعر مكة، فيصوم مكان كل مسكين يوما، وبكل مسكين نصف صاع حنطة، ليذوق وبال أمره ، يعني جزاء ذنبه، يعني الكفارة عقوبة له بقتله الصيد، عفا الله عما سلف ، يقول: عفا الله عما كان منه قبل التحريم، يقول: تجاوز الله عما صنع في قتله الصيد متعمدا قبل نزول هذه الآية، ومن عاد بعد النهي إلى قتل الصيد، فينتقم الله منه بالضرب والفدية وينزع ثيابه، والله عزيز ، يعني منيع في ملكه، ذو انتقام ، من أهل معصيته فيمن قتل الصيد، نزلت هذه الآية قبل الآية الأولى: فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم .

ثم قال عز وجل: أحل لكم صيد البحر ، يعني السمك الطري، وشيء يفرخ في الماء لا يفرخ في غيره، فهو للمحرم حلال،  ثم قال: وطعامه ، يعني مليح السمك، متاعا لكم ، يعني منافع لكم، يعني للمقيم وللسيارة ، يعني للمسافر، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ، يعني ما دمتم محرمين، واتقوا الله ، ولا تستحلوا [ ص: 323 ] الصيد في الإحرام، ثم حذرهم قتل الصيد، فقال سبحانه: الذي إليه تحشرون في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم.

التالي السابق


الخدمات العلمية