الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل في ذكر وفاته رضي الله عنه في أي يوم كانت

روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه، فقال: أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: يوم الاثنين.

قال: أرجو من الله، فتوفي في ليلة الثلاثاء ودفن ليلا قبل أن يصبح.
 

وفي رواية عنها قالت: لما ثقل أبو بكر رضي الله عنه، قال: أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قالت: يوم الاثنين، قال: أي يوم هذا؟ قالت: قلت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل.

أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي ، أخبرنا عبد الصمد بن نصر العاصمي ، حدثنا محمد بن عمران الساسي ، حدثنا عمر بن محمد النجيري ، حدثنا عيسى بن حماد ، حدثنا الليث بن سعد ، عن عقيل بن خلد ، عن محمد بن مسلم أنه قال: إن [ ص: 58 ] عروة بن الزبير أخبره، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: والله ما عقلت أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، وما مر علينا يوم قط إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة وعشية.  

ح قال النجيري: وحدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، أنت تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك.

فرجع وارتحل معه ابن الدغنة ، وطاف ابن الدغنة عشيا في أسواق قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل [ ص: 59 ] الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها ويقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به.

فإنا نخشى أن يفتن أبناؤنا ونساؤنا بصلاته.

ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن فتنقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيها، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناؤنا ونساؤنا، فانهه فإن أحب على أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، فإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك، فلسنا مقرين لأبي بكر بالاستعلان، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت به لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان"  فهاجر من هاجر قبل [ ص: 60 ] المدينة ورجع عامة من كان هاجر إلى أرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر رضي الله عنه: وهل ترجو ذلك؟ بأبي أنت، قال: "نعم" .

فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الحنط أربعة أشهر.

قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر رضي الله عنه في نحو الظهيرة، قال قائل لأبي بكر رضي الله عنه: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها.

قال له أبو بكر: فدا له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي لأبي بكر: "أخرج من عندك"، فقال أبو بكر رضي الله عنه إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله، قال: "فإني قد أذن لي في الخروج"، قال أبو بكر رضي الله عنه: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، قال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بالثمن"، فقالت عائشة [ ص: 61 ] رضي الله عنها: فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال.

يبيت عبد الله بن أبي بكر ، وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر رضي الله عنه منحة من غنم فيريحها عليهما حتى يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الذئل وهو من بني عبد بن عدي، هاديا خريتا، [ ص: 62 ] والخريت: الماهر بالهداية، قد غمس حلفا من آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فآمناه فدفعا إليه راحلتهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبيح ثلاث، فانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل.


قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن جعشم ، أن أباه أخبره، أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه دية، كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل، أراها محمدا وأصحابه، فقال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس [ ص: 63 ] ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام، فقرب بي حتى إذا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء، مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك جعلوا فيك الدية، فأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يسألاني ولم يرزآني إلا أن قال: "أخف عنا" فسألته أن يكتب لي كتابا فأمر عامر بن فهيرة ، فكتب في رقعة من أدم،  ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 64 ] .

قال ابن شهاب: فأخبرني عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير رضي الله عنه في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع، المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينظروهم حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر رضي الله عنه، للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر رضي الله عنه حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند ذلك، فلبث رسول الله في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، فأسس المسجد الذي أسس على التقوى، [ ص: 65 ] وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، مربدا لسهل ، وسهيل ، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت راحلته: "هذا إن شاء الله المنزل" ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين يتساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا.

فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن:

هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر     اللهم إن الخير خير الآخرة
فارحم الأنصار والمهاجرة

قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات.  

قال ابن شهاب: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته وأرخى لها الزمام، فجعلت لا تمر بدار من دور الأنصار إلا دعاه أهلها إلى النزول عندهم، [ ص: 66 ] وقالوا: هلم إلى العدد والعدة والمنعة، فيقول لهم عليه الصلاة والسلام: "خلوا زمامها، فإنها مأمورة"، حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبركت على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، في حجر معاذ بن عفراء ، يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل ، ابنا عمرو بن عباس بن ثعلبة بن غنم من بني مالك بن النجار ، فلما بركت لم ينزل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها، لا يثنيها به التفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، فدعته الأنصار إلى النزول عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع رحله"، فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب في بني غنم بن النجار [ ص: 67 ] .

قال أهل التاريخ: أقام في بيت أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، وتولى بناء مسجده هو بنفسه، وأصحابه المهاجرين والأنصار.


قال محمد بن كعب القرظي: اجتمع المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو جهل بن هشام ، فقالوا وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، فإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها، قال [ ص: 68 ] :

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال: "نعم، أنا أقول ذلك أنت أحدهم" فأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه وجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم، وهو يتلو هذه الآيات: والقرآن الحكيم إلى قوله: فأغشيناهم فهم لا يبصرون حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات، فلم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا محمدا، قال: خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم أحدا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته فما ترون ما بكم، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: والله إن هذا لمحمد نائم، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي من الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا.

قال أصحاب التاريخ: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر نحو غار ثور، وهو الغار الذي ذكره الله عز وجل في القرآن، قالوا [ ص: 69 ] : وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا الدار، فلما دنوا من فراش النبي صلى الله عليه وسلم، رأوا عليا، فقالوا له: أين صاحبك؟ قال: لا أدري أمرتموه بالخروج فخرج، فانتهروه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم تركوه، ونجى الله رسوله عليه السلام من مكرهم وأنزل في ذلك وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .

قال أهل التاريخ: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس،  لم يكن أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعرف من صدقه وأمانته، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم غدا إلى غار ثور بجبل بأسفل مكة فدخلاه
قال ابن إسحاق: وحدثت عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل بن [ ص: 70 ] هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر رضي الله عنه فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ قلت: لا أدري فرفع أبو جهل يده فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، قالت: ثم انصرفوا فمكثنا ثلاث ليال لا ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، تغنى بأبيات من الشعر يسمعون صوته ولا يرونه وهو يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه     رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واغتدوا به     فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم     ومقعدهم للمؤمنين بمرصد

[ ص: 71 ] قالت: فلما سمعنا قوله عرفناه حيث وجه صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، وعامر بن فهيرة ، وعبد الله بن أريقط دليلهما رضي الله عنه.


التالي السابق


الخدمات العلمية