الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
قال محمد بن جرير: "أجمع أهل العلم على أن زكاة الفطر فرضت ثم اختلفوا في نسخها".  

قال أبو جعفر: فلما ثبت بالإجماع وبالأسانيد الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز أن تزال إلا بإجماع أو حديث يزيلها ويبين نسخها، ولم يأت من ذلك شيء وصح عن الصحابة والتابعين إيجابها، واختلفوا في مقدار ما يخرج منها من البر والزبيب،  وأجمعوا على أنه لا يجوز من الشعير والتمر إلا صاع.

[ ص: 140 ] فممن قال: لا يجزئ من البر إلا صاع الحسن ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، ويروى هذا القول عن علي بن أبي طالب ، وابن العباس ، واختلف عنهما .

[ ص: 141 ] وممن قال: يجزئ نصف صاع من الصحابة أبو بكر الصديق ، وعثمان ، [ ص: 142 ] وعبد الله بن مسعود ، وأسماء، وجابر ، وابن الزبير ، وأبو هريرة ، ومعاوية ، فهؤلاء ثمانية من الصحابة .

[ ص: 143 ] ومن التابعين سعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، وعروة ، وأبو سلمة ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو قلابة ، وعبد الله بن [ ص: 144 ] شداد ، ومصعب بن سعد ، فهؤلاء أحد عشر من التابعين، وممن دونهم الليث بن سعد ، والثوري ، وأبو حنيفة وصاحباه، .

قال أبو جعفر: والحجة للقول الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرض صاعا من شعير، أو صاعا من تمر وكان ذلك قوتهم فوجب أن يكون كل قوت كذلك والحجة للقول الثاني: أن الصحابة هم الذين قدروا نصف صاع بر، وهم أعلم الناس بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجوز مخالفتهم إلا إلى قول بعضهم، فإن قيل: فقد خالفهم علي بن أبي طالب ، وابن عباس رضي الله عنهم، فالجواب أنه قد اختلف عنهما وليس أحد القولين أولى من الآخر إلا بالاحتجاج بغيرهما.

925 - وقرئ على أحمد بن شعيب ، عن عمران بن موسى ، عن عبد الوارث ، قال: حدثنا أيوب ، عن نافع عن ابن عمر ، قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة [ ص: 145 ] رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر وعبد ذكر وأنثى فعدل الناس به نصف صاع بر".

قال أبو جعفر: فهذا ابن عمر يخبر: أن الناس فعلوا هذا والناس أتباعه ، فأما الزبيب فأهل العلم مجمعون على أنه لا يجزئ منه في زكاة الفطر إلا صاع خلا أبا حنيفة ، فإن أبا يوسف روى عنه أنه يخرج منه نصف صاع كما يخرج من البر وأما الاختيار فيما يخرج فأهل العلم مختلفون في ذلك: فيروى عن ابن عمر أنه كان يخرج التمر، وقال مالك: أحب ما أخرج أهل المدينة إلي التمر، وقال أحمد: "إخراج التمر أحب إلي وإن كانوا يقتاتون غيره" ، وقال غيره: لأن التمر منفعته عاجلة، [ ص: 146 ] وقال الشافعي: "البر أحب إلي" ، وقال أبو يوسف: "أعجلها منفعة الدقيق يخرج نصف صاع دقيق من بر، أو صاعا من دقيق الشعير" .

قال أبو جعفر: فأما إخراج القيمة  فمختلف فيه أيضا، فممن أجاز ذلك عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وأهل الرأي ولم يجز مالك ، والشافعي ، وأحمد إلا إخراج المكيلة كما جاءت به السنة، وقال إسحاق: "يجوز ذلك عند الضرورة" فأما دفع زكاة الفطر إلى إنسان واحد  وإن كانت عن جماعة فمما اختلف فيه أيضا، فأجازه أهل المدينة، وقال الشافعي: "تقسم كما تقسم الزكاة" ، وأما إعطاء أهل الذمة منها  فمختلف فيه أيضا، فأكثر أهل العلم لا يجيزه، [ ص: 147 ] ومنهم من أجازه، فممن أجازه مرة الهمداني ، وهو قول أهل الرأي فرقوا بينها وبين الزكاة فلم يجيزوا في الزكاة إلا دفعها إلى المسلمين، وأجازوا في زكاة الفطر أن تدفع إلى أهل الذمة وأما دفع الرجل عن زوجته  فمختلف فيه أيضا، فأكثر أهل العلم يوجبون عليه ذلك، وقال الثوري ، وأهل الرأي: لا "يجب ذلك عليه" .

واختلفوا أيضا في أهل البادية  فقال عطاء ، والزهري ، وربيعة: لا تجب عليهم زكاة الفطر، وقال سعيد بن المسيب: هي واجبة عليهم قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وهو قول أكثر أهل المدينة، وأهل الكوفة.

[ ص: 148 ] وأما العبد المأذون له في التجارة فمختلف في أداء زكاة الفطر عنه  أيضا، فقال الحسن ، وعطاء: "لا يجب على مولاه أن يؤديها عنه" ، وهو قول أهل الرأي، وقال مالك ، والليث ، والأوزاعي ، والشافعي: "عليه أن يؤديها عنه" .

واختلفوا أيضا في المكاتب فقال مالك: "على مولاه أن يؤدي عنه" ، وقال أهل الرأي، والشافعي: "ليس ذلك عليه" وكذلك روي عن ابن عمر ، ولهذا الاختلاف قال بعض العلماء: ليس على الرجل أن يؤدي إلا عن نفسه، كما قال [ ص: 149 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على كل حر وعبد"، فالحر يؤدي عن نفسه، والعبد يؤدي عن نفسه.

926 - كما روى عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: "ليس على العبد في ماله شيء إلا صدقة الفطر" إلا أن الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا يقولون : عليه أن يخرج عن عبده فأما تقدير الصاع فقد قدره جماعة من أهل العلم على أنه خمس ويبة، والمد ربعه .

قال أبو جعفر: لا نعلم اختلافا في الكيل، فمن قال: يخرج الإنسان صاعا من بر قال: يخرج الويبة عن خمسة، ومن قال: يخرج نصف صاع من بر قال: الوبية عن عشرة وهذا قول الليث ، والمتفقهون من أهل الرأي يقولون: عن ثمانية .

واختلفوا في مقدار الصاع من الوزن  فقول الشافعي ، وأبي يوسف: "أنه خمسة أرطال وثلث" ، وعن أهل المدينة أخذ هذا، وهم أعلم الناس به، وقال أبو [ ص: 150 ] حنيفة ، ومحمد: "هو ثمانية أرطال" .

التالي السابق


الخدمات العلمية