الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما معنى التصحيف  وقولهم صحفي ، فقد قال الخليل بن أحمد: الصحفي الذي يروي الخطأ على قراءة الصحف باشتباه الحروف . وقال غيره: أصل هذا أن قوما كانوا أخذوا العلم من الصحف من غير أن يلقوا فيه العلماء ، فكان يقع فيما يروونه التغيير . فيقال عندها قد صحفوا ، أي قد رووه عن الصحف فهو مصحف ، ومصدره التصحيف .

حدثنا أبو العباس بن عمار ، حدثنا ابن أبي سعد ، حدثنا إبراهيم بن حاتم التميمي ، حدثني شريك ، عن عبد الملك بن عمير عن الحارث بن كلدة -وكان أطب العرب ، وكان [ ص: 25 ] يجلس في مقثأة له- قال: الشمس تتفل الريح ، وتبلي الثوب ، وتخرج الداء الدفين . فقال شريك: الشمس تنقل الريح . بالقاف ، فقيل: يا أبا عبد الله ما تنقل الريح ؟ قال: تغيره . قال فقال لي عبد الرحيم بن أحمد: قد صحف في موضعين: في قوله: وكان يجلس في مقثأة ، وإنما هو في مقنأة بالنون ، وهو الموضع الذي لا تصيبه الشمس . وفي قوله: تنقل الريح ، وإنما هي تتفل الريح . بالفاء أي تغيره وتنتنه . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وليخرجن تفلات" أي غير متطيبات . ذهب شريك في المقثأة إلى أنه الموضع الذي تزرع فيه القثاء ، وإنما المقنأة –بالنون- الموضع الذي لا تصيبه الشمس . وتقول العرب: لا خير [ ص: 26 ] في شجرة في مقنأة ، أي لا تصيبها الشمس ، ولا خير في نبات في مضحاة أي لا يصيبها الظل .

وأخبرنا ابن عمار ، حدثنا عبد الله بن أبي سعد ، عن إبراهيم بن سعيد ، قال: سمعت يحيى بن سعيد الأموي يقول: كان ابن إسحاق يصحف في الأسماء ، لأنه إنما أخذها من الديوان .

وأخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال: سمعت القاضي المقدمي يحكي عن إبراهيم بن أورمة الأصبهاني قال: قرأ عثمان بن أبي شيبة: [ ص: 27 ] (جعل السقاية في رجل أخيه) فقيل له: في رحل أخيه فقال: تحت الجيم واحدة .

حدثنا ابن عمار ، حدثنا ابن أبي سعد الوراق ، عن العباس بن ميمون يعرف بطابع ، قال: صحف أبو موسى الزمن محمد بن المثنى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث أتاه أعرابي وعلى يده سخلة [ ص: 28 ] تيعر ، قال أبو موسى: تنعر بالنون . وتيعر بالياء تصيح .

قال أبو العباس: وقد أنشدنا الأصمعي:


وأما أشجع الخنثى فولوا تيوسا بالحجاز لها يعار



قرأت على أبي بكر بن دريد . يقال: يعرت الشاة تيعر يعارا . واليعار: صوت الجدي .

أخبرني أبي رحمه الله ، حدثنا عسل بن ذكوان ، عن الرياشي [ ص: 29 ] قال: توفي ابن لبعض المهالبة ، فأتاه شبيب بن شيبة المنقري يعزيه ، وعنده بكر بن حبيب السهمي ، فقال شبيب: بلغنا أن الطفل لا يزال محبنظيا على باب الجنة يشفع لأبويه . فقال بكر بن حبيب: إنما هو محبنطئ . بالطاء . فقال شبيب: "أتقول لي هذا وما بين لابتيها أفصح مني ؟!" فقال بكر: وهذا [ ص: 30 ] خطأ ثان ، ما للبصرة واللوب ؟ لعلك غرك قولهم: ما بين لابتي المدينة ، يريدون الحرة . قال الشيخ: الحرة أرض تركبها حجارة سود وهي اللابة ، وجمعها لابات ، فإذا كثرت فهي اللوب ، وللمدينة لابتان من جانبيها ، وليس للبصرة لابة ولا حرة .

وأما قوله محبنطئ ، فقال أبو عبيد: المحبنطي بغير همز: هو المتغضب المستبطئ للشيء ، والمحبنطئ بالهمز: هو العظيم البطن المنتفخ .

أخبرنا أبو العباس بن عمار ، حدثنا ابن أبي سعد ، حدثنا العباس بن ميمون قال: قال لي ابن عائشة: جاءني أبو الحسن المدائني فتحدث بحديث خالد بن الوليد - رضي الله عنه- حين أراد أن يغير على طرف من أطراف الشام . وقول الشاعر في دلالة رافع:

[ ص: 31 ]

لله در رافع أنى اهتدى     فوز من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ما سارها الجبس بكى



فقال: الجيش . فقلت: لو كان الجيش لكان: بكوا ، وعلمت أن علمه من الصحف . قلت أنا: أما قول ابن عائشة: إن الرواية: الجبس بكى ، فهو كما قال ؛ وهو صحيح ، وأما قوله: لو كان الجيش لكان بكوا . فقد وهم في هذا ، ويجوز أن يقال للجيش: بكى ، فيحمل على اللفظ ، وقد قال طفيل الخيل لأوس بن حجر حين عابه:


إن يك عارا بالقنان أتيته     فراري فإن الجيش قد فر أجمع



أنبأنا أبو بكر بن دريد ، أنبأنا الرياشي عن [ ص: 32 ] الأصمعي قال: كنت في مجلس شعبة فقال: فيسمعون جرش [ ص: 33 ] طير الجنة . فقلت: جرس . فنظر إلي فقال: خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا . يقال: سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت منقاره على شيء يأكله . وسميت النحل جوارس من هذا لأنها تجرس الشجر ، أي تأكل منه ، والجرس: الصوت الخفي ، واشتقاق الجرس من الصوت والحس ، يقال: ما سمعت منه حسا ولا جرسا ، إذا أتبعوا اللفظ اللفظ كسروا الجيم ، وإذا أفردوا فتحوا الجيم . وكان شعبة متواضعا في العلم معظما لأهله .  

التالي السابق


الخدمات العلمية