الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
600 - وقال أبو عبيد في حديث [رضي الله عنه ] أن صبيا قتل بصنعاء غيلة ، فقتل به عمر سبعة ، وقال : "لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم " [ ص: 198 ] .

قال : حدثنيه يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر .

قوله : غيلة : هو أن يغتال الإنسان ، فيخدع بالشيء حتى يصير إلى موضع يستخفى له فإذا صار إليه قتله .

وهذا الذي يقول فيه "أهل الحجاز " إنه ليس للولي أن يعفو عنه ، يرون عليه القتل على كل حال في الغيلة خاصة .

وأما "أهل العراق " فالغيلة عندهم وغيرها سواء ، إن شاء الولي عفا ، وإن شاء قتل : فهذا تفسير الغيلة .

وأما الفتك في القتل ، فأن يأتي الرجل رجلا وهو غار مطمئن ؛ لا يعلم بمكان الذي يريد قتله ، حتى يفتك به ، فيقتله ، وكذلك لو كمن له في موضع ليلا أو نهارا ، فإذا وجد غرة قتله .

ومن ذلك حديث " الزبير " حين أتاه رجل ، فقال : "ألا أقتل لك "عليا " ؟ فقال : وكيف تقتله ؟

قال : أفتك به [ ص: 199 ] .

فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه [وسلم ] - : "قيد الإيمان الفتك ، لا يفتك مؤمن " .  

قال : حدثناه ابن علية ، عن أيوب ، عن الحسن .

ومنه حديث عمرو بن الحمق ؛ قال : حدثناه ابن مهدي ، عن سفيان ، عن السدي ، عن رفاعة القتباني ، قال : كنت مع المختار ، فأردت قتله ، فذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق عن النبي - صلى الله عليه [وسلم ] أنه قال : "من آمن رجلا ثم قتله ، فأنا بريء منه ، وإن كان المقتول في النار " .  

قال : وحدثنيه يزيد ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن رفاعة ، عن عمرو بن الحمق ، عن النبي - صلى الله عليه [وسلم ] [ ص: 200 ] .

فهذا معناه أن يقتله من غير أن يعطيه الأمان .

فأما إذا أعطاه الأمان ، ثم قتله ، فذلك الغدر ، وهو شر هذه الوجوه كلها ، وهو الذي يروى فيه الحديث عن النبي [ - صلى الله عليه وسلم - ] : لكل غادر لواء يوم القيامة ،  يقال : هذه غدرة فلان " .

[حدثنا أبو عبيد ] قال : حدثناه إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه [وسلم ] .

ومن وجوه القتل أيضا الصبر ، وهو أن يؤخذ الرجل أسيرا ، ثم يقدم ، فيقتل ، فهذا لم يقتل غيلة ولا فتكا ولا غدرا ؛ لأنه أخذ بغير أمان ، فهذه أربعة أوجه من أسماء القتل ، هي الأصول التي فيها الأحكام خاصة ، وأما قتل الخطأ ،  فهو عند أهل العراق على وجهين :

أحدهما : أن يرمي الرجل ، وهو يتعمد صيدا أو هدفا أو غير ذلك ، فيصيب إنسانا بأي شيء كان ، من سلاح أو غيره ، فهذا عندهم [هو ] الخطأ المحض .

والدية فيه على العاقلة  أربعا : خمس وعشرون حقة ، وخمس وعشرون جذعة ، وخمس وعشرون بنت مخاض ، وخمس وعشرون بنت لبون [ ص: 201 ] .

وبعضهم يجعلها أخماسا : عشرين حقة ، وعشرين جذعة ، وعشرين بنت لبون ، وعشرين بنت مخاض ، وعشرين ابن مخاض . وبعض الفقهاء يجعل مكان عشرين ابن مخاض عشرين ابن لبون .

والوجه الآخر من الخطأ عندهم أن يتعمد الرجل إنسانا بشيء لا يقتل مثله ، فيموت منه ، كالسوط والعصا والحجر الذي ليس بضخم ، فاسم هذا عندهم شبه العمد ،  وإنما سموه بذلك ؛ لأنه لم يتعمده بما يقتل مثله .

وقالوا : عمد ؛ لأنه تعمده وإن لم يرد قتله ، فاجتمع فيه المعنيان ، فسمي شبه العمد لهذا .

ففي هذه الدية مغلظة :  ثلث حقاق ، وثلث ما بين ثنية إلى بازل عامها ، كلها خلفة ، والخلفة الحامل .

وهذا في حديث يروى مرفوعا ، وعن عمر شيء يشبهه ، فهذا قول " أهل العراق " ويحتجون فيه بالأثر .

قال [ أبو عبيد ] : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى [ ص: 202 ] الله عليه وسلم - ، عن النبي أنه خطب "يوم فتح مكة " فقال : "ألا وفي قتيل خطأ العمد ثلاث وثلاثون حقة ، وثلاث وثلاثون جذعة ، وأربع وثلاثون ما بين ثنية إلى بازل عامها ، كلها خلفة " .  

التالي السابق


الخدمات العلمية