باب القول في القرآن: ولا يجوز أن يكون شيء من صفات ذاته مخلوقا ولا محدثا ولا حادثا. القرآن كلام الله عز وجل، وكلام الله صفة من صفات ذاته،
قال الله جل ثناؤه: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون .
فلو كان القرآن مخلوقا لكان الله سبحانه قائلا له كن، والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولا له؛ لأن هذا يوجب قولا ثانيا، والقول في القول الثاني وفي تعلقه بقول ثالث كالأول، وهذا يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو فاسد، وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقا، ووجب أن يكون القول أمرا أزليا متعلقا بالمكون، فيما لا يزال كما أن الأمر متعلق بصلاة غد، وغد غير موجود، ومتعلق بمن يخلق من المكلفين إلى يوم القيامة، إلا أن تعليقه بهم على الشرط الذي يصح فيما بعد، كذلك قوله في التكوين، وهذا كما أن علم الله عز وجل أزلي متعلق بالمعلومات عند حدوثها، وسمعه أزلي متعلق بإدراك المسموعات عند ظهورها، وبصره أزلي متعلق بإدراك المرئيات عند وجودها من غير حدوث معنى فيه تعالى عن أن يكون محلا للحوادث، وأن يكون شيء من صفات ذاته محدثا؛ ولأن الله عز وجل قال: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان .
فلما جمع في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه وصفته [ ص: 95 ] وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه، خص القرآن بالتعليم، والإنسان بالتخليق، فلو كان القرآن مخلوقا كالإنسان لقال: خلق القرآن والإنسان.
وقال: ألا له الخلق والأمر ، ففرق بين خلقه وأمره بالواو الذي هو حرف الفصل بين الشيئين المتغايرين، فدل على أن قوله غير خلقه، وقال: لله الأمر من قبل ومن بعد ، يعني من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك.
وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق، وقال: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، وقال: لولا كتاب من الله سبق ، والسبق على الإطلاق يقتضي سبق كل شيء سواه، وقال: وكلم الله موسى تكليما ، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم قائما بغيره ثم يكون هو به متكلما مكلما دون ذلك الغير، كما لا يجوز ذلك في العلم والسمع والبصر، وقال: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقا في غير الله، وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، ويجب عليهم إذا لموسى خلقه في شجرة، أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من زعموا أن كلام الله موسى؛ لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى [ ص: 96 ] عليه السلام من الله، وإنما سمعه من شجرة، وأن يزعموا أن اليهود إذ سمعت كلام الله من موسى نبي الله أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى بن عمران صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم؛ لأن اليهود سمعته من نبي من الأنبياء وموسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم سمعه مخلوقا في شجرة ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن الله عز وجل مكلما لموسى من وراء حجاب؛ ولأن كلام الله عز وجل لموسى عليه السلام لو كان مخلوقا في شجرة كما زعموا لزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة، ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى وقال له: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ، وهذا ظاهر الفساد، وقد احتج علي بن إسماعيل رحمه الله بهذه الفصول واحتج بها غيره من سلفنا رحمهم الله .