الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب القول في خلق الأفعال

قال الله عز وجل ذلكم الله ربكم خالق كل شيء فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر، وقال: أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء فنفى أن يكون خالق غيره ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق، فلو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله سبحانه خالق بعض الأشياء دون جميعها، وهذا خلاف الآية، ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان خلق الناس أكثر من خلقه ولكانوا أتم قوة منه وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه؛ ولأن الله تعالى قال: والله خلقكم وما تعملون فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله عز وجل .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي، ثنا يونس بن محمد، ثنا شيبان، عن قتادة في قوله قال أتعبدون ما تنحتون قال: الأصنام والله خلقكم وما تعملون [ ص: 143 ] قال: خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم  قلنا: ولأن الله تعالى قال: وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم فامتدح بالقولين جميعا، فكما لا يخرج شيء من علمه لا يخرج شيء غيره من خلقه، ولأنه قال: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق فأخبر أن قولهم وسرهم وجهرهم خلقه وهو بجميع ذلك عليم.

وقال: وأنه هو أضحك وأبكى كما قال: وأنه هو أمات وأحيا فكما كان مميتا محييا بأن خلق الموت والحياة كان مضحكا مبكيا بأن خلق الضحك والبكاء، وقد يضحك الكافر سرورا بقتل المسلمين وهو منه كفر، وقد يبكي حزنا بظهور المسلمين وهو منه كفر، فثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها؛ ولأنه قال: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقال: أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه، وأثبت فعلها لنفسه ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه، وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا عز وجل على ما أراد فهي من الله سبحانه خلق على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة وهي من عباده [ ص: 144 ] كسب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم ووقوع هذه الأفعال أو بعضها على وجوه تخالف قصد مكتسبها يدل على موقع أوقعها على ما أراد غير مكتسبها وهو الله ربنا خلقنا، وخلق أفعالنا لا شريك له في شيء من خلقه تبارك الله رب العالمين.

وكان الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان يعبر عن هذا بعبارة حسنة، فيقول فعل القادر القديم خلق وفعل القادر المحدث كسب فتعالى القديم عن الكسب وجل وصغر المحدث عن الخلق وذل، وقد أثبت الله سبحانه كسب العباد وخلقه كسبهم بما ذكرنا من الآيات في هذا الموضع، وفي كتاب القدر مما لم نذكره هاهنا، وبمثل ذلك جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية