الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( فصل ) :

                                                                                                                                وأما طلاق البدعة فالكلام فيه في ثلاثة مواضع : في تفسيره وفي بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة وفي بيان حكمه أما الأول فطلاق البدعة نوعان أيضا : نوع يرجع إلى الوقت ونوع يرجع إلى العدد أما الذي يرجع إلى الوقت فنوعان أيضا : أحدهما الطلقة الواحدة الرجعية في حالة الحيض إذا كانت مدخولا بها سواء كانت حرة أو أمة [ ص: 94 ] لما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمر حين طلق امرأته في حالة الحيض " أخطأت السنة " ولأن فيه تطويل العدة عليها لأن الحيضة التي صادفها الطلاق فيه غير محسوبة من العدة فتطول العدة عليها وذلك إضرار بها ، ولأن الطلاق للحاجة هو الطلاق في زمان كمال الرغبة ، وزمان الحيض زمان النفرة فلا يكون الإقدام عليه فيه دليل الحاجة إلى الطلاق فلا يكون الطلاق فيه سنة بل يكون سفها .

                                                                                                                                إلا أن هذا المعنى يشكل بما قبل الدخول فالصحيح هو المعنى الأول ، وإذا طلقها في حالة الحيض فالأفضل أن يراجعها لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته في حالة الحيض أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ولأنه إذا راجعها أمكنه أن يطلقها للسنة فتبين منه بطلاق غير مكروه فكانت الرجعة أولى ، ولو امتنع عن الرجعة لا يجبر عليها وذكر في العيون أن الأمة إذا أعتقت فلا بأس بأن تختار نفسها وهي حائض وكذلك الصغيرة إذا أدركت وهي حائض وكذلك امرأة العنين وهي حائض والثاني الطلقة الواحدة الرجعية في ذوات الأقراء في طهر جامعها فيه حرة كانت أو أمة لاحتمال أنها حملت بذلك الجماع وعند ظهور الحمل يندم فتبين أنه طلقها لا لحاجة وفائدة فكان سفها فلا يكون سنة ولأنه إذا جامعها فقد قلت رغبته إليها فلا يكون الطلاق في ذلك الطهر طلاقا لحاجة على الإطلاق فلم يكن سنة .

                                                                                                                                وأما الذي يرجع إلى العدد فهو إيقاع الثلاث أو الثنتين في طهر واحد لا جماع فيه سواء كان على الجمع بأن أوقع الثلاث جملة واحدة أو على التفاريق واحدا بعد واحد بعد أن كان الكل في طهر واحد وهذا قول أصحابنا .

                                                                                                                                وقال الشافعي : " لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة بل هو مباح وإنما السنة والبدعة في الوقت فقط احتج بعمومات الطلاق من الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله عز وجل : { فطلقوهن لعدتهن } وقوله عز وجل : { الطلاق مرتان } وقوله عز وجل : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } شرع الطلاق من غير فصل بين الفرد والعدد والمفترق والمجتمع وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم { كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي } والدليل على أن عدد الطلاق في طهر واحد مشروع أنه معتبر في حق الحكم بلا خلاف بين الفقهاء ، وغير المشروع لا يكون معتبرا في حق الحكم ألا ترى أن بيع الخل والصفر ونكاح الأجانب لما كان مشروعا كان معتبرا في حق الحكم ، وبيع الميتة والدم والخمر والخنزير ونكاح المحارم لما لم يكن مشروعا لم يكن معتبرا في حق الحكم وههنا لما اعتبر في حق الحكم دل أنه مشروع وبهذا عرفت شرعية الطلقة الواحدة في طهر واحد والثلاث في ثلاثة أطهار كذا المجتمع .

                                                                                                                                ( ولنا ) الكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله عز وجل : { فطلقوهن لعدتهن } أي في أطهار عدتهن وهو الثلاث في ثلاثة أطهار كذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا فيما تقدم ; أمر بالتفريق والأمر بالتفريق يكون نهيا عن الجمع ثم إن كان الأمر أمر إيجاب كان نهيا عن ضده وهو الجمع نهي تحريم وإن كان أمر ندب كان نهيا عن ضده وهو الجمع نهي ندب .

                                                                                                                                وكل ذلك حجة على المخالف لأن الأول يدل على التحريم والآخر يدل على الكراهة وهو لا يقول بشيء من ذلك وقوله تعالى : { الطلاق مرتان } أي دفعتان ألا ترى أن من أعطى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين .

                                                                                                                                وجه الاستدلال أن هذا وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر لأن الحمل على ظاهره يؤدي إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف لأن الطلاق على سبيل الجمع قد يوجد وقد يخرج اللفظ مخرج الخبر على إرادة الجمع قال الله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن } أي ليتربصن .

                                                                                                                                وقال تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن } أي ليرضعن ونحو ذلك كذا هذا ، فصار كأنه سبحانه وتعالى قال طلقوهن مرتين إذا أردتم الطلاق والأمر بالتفريق نهي عن الجمع لأنه ضده فيدل على كون الجمع حراما أو مكروها على ما بينا ، فإن قيل هذه الآية حجة عليكم لأنه ذكر جنس الطلاق ، وجنس الطلاق ثلاث والثلاث إذا وقع دفعتين كان الواقع في دفعة طلقتين فيدل على كون الطلقتين في دفعة مسنونتين فالجواب أن هذا أمر بتفريق الطلاقين من الثلاث لا بتفريق الثلاث لأنه أمر بالرجعة عقيب الطلاق مرتين أي دفعتين بقوله تعالى : { فإمساك بمعروف } أي وهو الرجعة ، وتفريق الطلاق وهو إيقاعه دفعتين لا يتعقب الرجعة فكان هذا أمرا بتفريق الطلاقين من الثلاث لا بتفريق كل جنس الطلاق وهو الثلاث ، والأمر بتفريق [ ص: 95 ] طلاقين من الثلاث يكون نهيا عن الجمع بينهما فوضح وجه الاحتجاج بالآية بحمد الله تعالى .

                                                                                                                                ( وأما ) السنة فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن } نهى صلى الله عليه وسلم عن الطلاق ولا يجوز أن يكون النهي عن الطلاق لعينه لأنه قد بقي معتبرا شرعا في حق الحكم بعد النهي فعلم أن ههنا غيرا حقيقيا ملازما للطلاق يصلح أن يكون منهيا عنه ، فكان النهي عنه لا عن الطلاق ولا يجوز أن يمنع من المشرع لمكان الحرام الملازم له كما في الطلاق في حالة الحيض والبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة وغير ذلك ، وقد ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا وأجاز ذلك عليه وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فيكون إجماعا .

                                                                                                                                ( وأما ) المعقول فمن وجوه : أحدها أن النكاح عقد مصلحة لكونه وسيلة إلى مصالح الدين والدنيا ، والطلاق إبطال له وإبطال المصلحة مفسدة وقد قال الله عز وجل : { والله لا يحب الفساد } وهذا معنى الكراهة الشرعية عندنا أن الله تعالى لا يحبه ولا يرضى به إلا أنه قد يخرج من أن يكون مصلحة لعدم توافق الأخلاق وتباين الطبائع أو لفساد يرجع إلى نكاحها بأن علم الزوج أن المصالح تفوته بنكاح هذه المرأة أو أن المقام معها سبب فساد دينه ودنياه فتنقلب المصلحة في الطلاق ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى إلا أن احتمال أنه لم يتأمل حق التأمل ولم ينظر حق النظر في العاقبة قائم فالشرع والعقل يدعوانه إلى النظر وذلك في أن يطلقها طلقة واحدة رجعية حتى أن التباين أو الفساد إذا كان من جهة المرأة تتوب وتعود إلى الصلاح إذا ذاقت مرارة الفراق وإن كانت لا تتوب نظر في حال نفسه أنه هل يمكنه الصبر عنها ؟ فإن علم أنه لا يمكنه الصبر عنها يراجعها وإن علم أنه يمكنه الصبر عنها يطلقها في الطهر الثاني ثانيا ويجرب نفسه ثم يطلقها فيخرج نكاحها من أن يكون مصلحة ظاهرا وغالبا ; لأنه لا يلحقه الندم غالبا فأبيحت الطلقة الواحدة أو الثلاث في ثلاثة أطهار على تقدير خروج نكاحها من أن يكون مصلحة وصيرورة المصلحة في الطلاق فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة في حالة الغضب ; وليست حالة الغضب حالة التأمل ; لم يعرف خروج النكاح من أن يكون مصلحة فكان الطلاق إبطالا للمصلحة من حيث الظاهر فكان مفسدة .

                                                                                                                                والثاني أن النكاح عقد مسنون بل هو واجب لما ذكرنا في كتاب النكاح فكان الطلاق قطعا للسنة وتفويتا للواجب فكان الأصل هو الحظر والكراهة إلا أنه رخص للتأديب أو للتخليص والتأديب يحصل بالطلقة الواحدة الرجعية لأن التباين أو الفساد إذا كان من قبلها فإذا ذاقت مرارة الفراق فالظاهر أنها تتأدب وتتوب وتعود إلى الموافقة والصلاح ، والتخليص يحصل بالثلاث في ثلاثة أطهار والثابت بالرخصة يكون ثابتا بطريق الضرورة ، وحق الضرورة صار مقضيا بما ذكرنا فلا ضرورة إلى الجمع بين الثلاث في طهر واحد فبقي ذلك على أصل الحظر ، والثالث أنه إذا طلقها ثلاثا في طهر واحد فربما يلحقه الندم ، وقال الله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } قيل في التفسير أي ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها ، ولا يمكنه التدارك بالنكاح فيقع في السفاح فكان في الجمع احتمال الوقوع في الحرام وليس في الامتناع ذلك ، والتحرز عن مثله واجب شرعا وعقلا بخلاف الطلقة الواحدة لأنها لا تمنع من التدارك بالرجعة وبخلاف الثلاث في ثلاثة أطهار لأن ذلك لا يعقب الندم ظاهر إلا أنه يجرب نفسه في الأطهار الثلاثة فلا يلحقه الندم .

                                                                                                                                وقد خرج الجواب عما ذكره المخالف لأن الطلاق عندنا تصرف مشروع في نفسه إلا أنه ممنوع عنه لغيره لما ذكرنا من الدلائل ، ويستوي في كراهة الجمع أن تكون المرأة حرة أو أمة مسلمة أو كتابية لأن الموجب للكراهة لا يوجب الفصل وهو ما ذكرنا من الدلائل ويستوي في كراهة الجمع والخلع في الطهر الذي لا جماع فيه غير مكروه بالإجماع ، وفي الطلاق الواحد البائن روايتان ذكر في كتاب الطلاق أنه يكره وذكر في زيادات الزيادات أنه لا يكره وجه تلك الرواية أن الطلاق البائن لا يفارق الرجعي إلا في صفة البينونة ، وصفة البينونة لا تنافي صفة السنة ألا ترى أن الطلقة الواحدة قبل الدخول بائنة وأنها سنة وكذا الخلع في طهر لا جماع فيه بائن وأنه سنة ( وجه ) رواية كتاب الطلاق أن الطلاق شرع في الأصل بطريق [ ص: 96 ] الرخصة للحاجة على ما بينا ولا حاجة إلى البائن لأن الحاجة تندفع بالرجعي فكان البائن طلاقا من غير حاجة فلم يكن سنة ولأن فيه احتمال الوقوع في الحرام لاحتمال الندم ولا يمكنه المراجعة وربما لا توافقه المرأة في النكاح فيتبعها بطريق حرام وليس في الامتناع عنه احتمال الوقوع في الحرام فيجب التحرز عنه بخلاف الطلاق قبل الدخول لأنه طلاق لحاجة لأنه قد يحتاج إلى الطلاق قبل الدخول ولا يمكن دفع الحاجة بالطلاق الرجعي ولأن الطلاق قبل الدخول لا يتصور إيقاعه إلا بائنا فكان طلاقا لحاجة فكان مسنونا وكذلك الخلع لأنه تقع الحاجة إلى الخلع ولا يتصور إيقاعه إلا بصفة الإبانة ألا ترى أنه لا يتصور أن يكون رجعيا ؟ ولأن الله سبحانه وتعالى رفع الجناح في الخلع مطلقا بقوله عز وجل : { لا جناح عليهما فيما افتدت به } فدل على كونه مباحا مطلقا ، ثم البدعة في الوقت يختلف فيها المدخول بها وغير المدخول بها ; فيكره أن يطلق المدخول بها في حالة الحيض ولا يكره أن يطلق غير المدخول بها في حالة الحيض لأن الكراهة في حالة الحيض لمكان تطويل العدة ولا يتحقق ذلك في غير المدخول بها وأما كونها طاهرا من غير جماع فلا يتصور في غير المدخول بها وأما البدعة في العدد فيستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها لأن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بينهما وكذا يستوي في السنة والبدعة المسلمة والكتابية والحرة والأمة لأن الدلائل لا توجب الفصل بين الكل .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية