الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري 80 - بَابٌ الْخَوْخَةُ وَالْمَمَرُّ فِي الْمَسْجِدِ 454 466 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: ثَنَا فُلَيْحٌ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ " فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ؟ إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ" . 455 467 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: ثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فتح الباري لابن رجب حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ رَوَاهُ - أَيْضًا - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ . وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَفُلَيْحٍ - أَيْضًا. وَإِنَّمَا خَرَّجَ لِفُلَيْحٍ مُتَابَعَةً، وَلَمْ يُخَرِّجْ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَإِنَّهُ لَا يُخَرِّجُ لِعِكْرِمَةَ إِلَّا مُتَابَعَةً - أَيْضًا - وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَنْهُ عِكْرِمَةُ . وَقَدْ رَوَى بَعْضَهُ أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. هَذِهِ الْخُطْبَةُ الَّتِي خَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْيَوْمِ كَانَتْ آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَعَرَّضَ فِيهَا بِاخْتِيَارِهِ لِقَاءَ اللَّهِ عَلَى الْمَقَامِ فِي الدُّنْيَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُعْطِيَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا، وَخُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَبْقَى فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّهِ فَاخْتَارَ لِقَاءَ رَبِّهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَخْيِيرِهِ، وَاخْتَارَهُ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا خُيِّرَ" فَلَمْ يَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفْهَمَهُمْ عَنْهُ، وَهَذَا مِنَ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ تَخْصِيصَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ بِالْفَضْلِ، وَأَوْمَأَ إِلَى خِلَافَتِهِ بِفَتْحِ بَابِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَسَدِّ أَبْوَابِ النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الْقَائِمُ بِالْإِمَامَةِ بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِطْرَاقِ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُصَلِّينَ فِيهِ. وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ وَصَّى بِالْأَنْصَارِ ، وَأَمَرَ مَنْ يَلِي الْأَمْرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، كَمَا ظَنَّهُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَرَطٌ لَهُمْ عَلَى الْحَوْضِ - يَعْنِي: أَنَّهُ سَابِقٌ لَهُمْ إِلَى الْحَوْضِ - وَهُوَ يَنْتَظِرُهُمْ عِنْدَهُ، فَهُوَ الْمَوْعِدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَحَذَّرَ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَالرُّكُونِ إِلَيْهَا ; فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ خَزَائِنَهَا فَاخْتَارَ لِقَاءَ رَبِّهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَفُتِحَتْ بَعْدَهُ عَلَى أُمَّتِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِهِ" هَذَا، فَبَعْضُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَبَعْضُهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَبَعْضُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبَعْضُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . وَرُوِيَ - أَيْضًا - أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَّى فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ بِتَنْفِيذِ جَيْشِ أُسَامَةَ ، وَذَكَرَ فَضْلَهُ، وَوَصَّى بِهِ خَيْرًا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ هَاهُنَا. فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ : فَقَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا، وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ - أَيْضًا. وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" مِنْ رِوَايَةِ أُنَيْسِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَهُوَ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ، فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنِّي السَّاعَةَ قَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ" ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ". قَالَ: فَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي، بَلْ نَفْدِيكَ بِأَمْوَالِنَا وَأَنْفُسِنَا. قَالَ: ثُمَّ هَبَطَ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَمَا رُئِيَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةَ. وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : فَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "غَزْوَةِ أُحُدٍ" مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا". قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ - أَيْضًا - وَعِنْدَهُ: قَالَ عُقْبَةُ : فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَتَوْدِيعُهُ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ: هُوَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمَوْتَى وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَهَنَّأَهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ سَبْقِهِمْ لِلْفِتَنِ. وَتَوْدِيعُهُ لِلْأَحْيَاءِ: هُوَ نَصِيحَتُهُمْ وَتَحْذِيرُهُمْ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا، وَإِيمَاؤُهُ إِلَى أَنَّهُ مُنْتَقِلٌ عَنْهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ سَابِقٌ لَهُمْ إِلَى الْحَوْضِ، فَهُوَ مَوْعِدُهُمْ. وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى أَهْلَ الْبَقِيعِ بِاللَّيْلِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِالنَّهَارِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ فَخَطَبَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ، وَوَدَّعَ الْأَحْيَاءَ. فَفِي "الْمُسْنَدِ عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً إِلَى الْبَقِيعِ فَاسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ، وَقَالَ: "لِيَهْنِكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، أَقَبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى" ثُمَّ قَالَ: " يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ ، إِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي، فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ". ثُمَّ انْصَرَفَ، فَابْتَدَأَهُ وَجَعُهُ الَّذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، قَالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ مَرَّةٍ يُقَالُ لَهُ: صَلِّ عَلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ " ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَأْتِيَ الشُّهَدَاءَ، فَذَهَبَ إِلَى أُحُدٍ ، فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، فَرَجَعَ مَعْصُوبَ الرَّأْسِ، فَكَانَ بَدْءُ الْوَجَعِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَقَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا. وَخَرَّجَ فِي "الْمَنَاقِبِ" - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا، وَعَلَيْهِ عِصَابَةُ بَرْدٍ دَسْمَاءُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ النَّاسَ يُكْثِرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ". وَخَرَّجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي "طَبَقَاتِهِ" وَزَادَ فِيهِ: "وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ حَتَّى قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ : فَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْمَنَاقِبِ" مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بَرْدٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ - وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ ; فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ". وَأَمَّا أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ : فَقَدْ خَرَّجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ عُرْوَةَ - مُرْسَلًا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَعَثَ أُسَامَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُوَطِّئَ الْخَيْلَ نَحْوَ الْبَلْقَاءِ حَيْثُ قُتِلَ أَبُوهُ وَجَعْفَرٌ ، فَجَعَلَ أُسَامَةُ وَأَصْحَابُهُ يَتَجَهَّزُونَ، وَقَدْ عَسْكَرَ بِالْجَرْفِ، فَاشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ رَاحَةً، فَخَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ " - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعَزَّ بِهِ، فَتُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ خَرَّجَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَى أُسَامَةَ وَوَصَّى بِهِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَخَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ". وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ ". قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَمَنَّ "أَيْ: أَبْذَلُ لِنَفْسِهِ وَأَعْطَى لِمَالِهِ، وَالْمَنُّ: الْعَطَاءُ مِنْ غَيْرِ اسْتِثَابَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ وَقَوْلُهُ: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أَيْ: لَا تُعْطِ لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتَ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْمِنَّةَ; فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الصَّنِيعَةَ، وَلَا مِنَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ لَهُ الْمِنَّةُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْخَلَّةِ أَفْضَلُ مِنْ مَقَامِ الْمَحَبَّةِ ; فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ أَبَا بَكْرٍ وَقَدْ نَفَى عَنْهُ الْخَلَّةَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ كُلَّهُمْ، وَلَمْ يَخُصَّ بِالْخَلَّةِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا. وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلٍّ مِنْ خَلَّتِهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ ". وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ - أَيْضًا -: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا ". وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ يَقُولُ: "قَدْ كَانَ لِي مِنْكُمْ أَخِلَّاءُ وَأَصْدِقَاءُ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ ذِي خَلَّةٍ مَنْ خَلَّتِهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ". وَالظَّاهِرُ أَنَّ جُنْدُبًا سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ هَذِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَعَلَّ خُطْبَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ; فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ إِلَى النَّاسِ، أَوْ لَعَلَّهُ أَعَادَ هَذَا الْقَوْلَ فِي بَيْتِهِ فَسَمِعَهُ جُنْدُبٌ ، وَهَذَا أَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فَإِنَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ فَوْقَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَبَبِ بَرَاءَتِهِ مِنْ خَلَّةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا لِنَفْسِهِ كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَمَنْ كَانَ خَلِيلًا لِلَّهِ فَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُخَالِلَ بَشَرًا. وَمِنْ هُنَا قِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ لِتَفْرِيغِ قَلْبِهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، حَيْثُ وُهِبَ لَهُ عَلَى الْكِبَرِ، فَلَمَّا بَادَرَ إِلَى اضْطِجَاعِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ قَلْبِهِ؛ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ أَسْقَطَ عَنْهُ ذَبْحَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ إِرَاقَةَ دَمِهِ، بَلْ تَفْرِيغَ مَحَلِّ الْخَلَّةِ مِنْهُ، حَتَّى لَا تُزَاحِمَ خَلَّةَ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ مَحَبَّةُ الْوَلَدِ. وَالْخَلَّةُ: هِيَ الْمَحَبَّةُ الْمُبَالِغَةُ الْمُخَلِّلَةُ لِمَسَالِكِ الرُّوحِ مِنَ الْقَلْبِ وَالْجَسَدِ، كَمَا قِيلَ. قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وِبِهَذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِلْمَخْلُوقِ الْمَحَبَّةُ، وَهِيَ دَرَجَةٌ دُونَ الْخَلَّةِ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ عَلَى الْأُخُوَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَهِيَ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي خَرَّجَهُ هَاهُنَا. وَقَدْ خَرَّجَهُ فِي "الْمَنَاقِبِ" مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ: " وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ". وَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصَحُّ، وَأَيُّوبُ يُقَدَّمُ عَلَى يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُقَدَّمًا عَلَى سَائِرِ الرِّجَالِ فِي الْمَحَبَّةِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ؟ قَالَ: " عَائِشَةُ " قَالَ: " فَمِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا". وَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ السَّقِيفَةِ : أَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ: " سُدُّوا عَنِّي كُلَّ بَابٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "كُلَّ خَوْخَةٍ". قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخَوْخَةُ: بُوَيْبٌ صَغِيرٌ. قَالَ: وَفِي أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ غَيْرَ بَابِهِ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ لَهُ، وَأَنَّهُ أَفْرَدَهُ بِأَمْرٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَأَوَّلُ مَا يُصْرَفُ التَّأْوِيلُ فِيهِ الْخِلَافَةُ، وَقَدْ أَكَّدَ الدَّلَالَةَ عَلَيْهَا بِأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ، وَلِأَجْلِهَا يُدْخَلُ إِلَيْهِ مِنْ أَبْوَابِهِ. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ دَلِيلًا فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَالرَّدِّ عَلَى نُفَاتِهِ أَقْوَى مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ ; مُسْتَدِلِّينَ فِي ذَلِكَ بِاسْتِخْلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ فِي أَعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَإِقَامَتِهِ إِيَّاهُ فِيهَا مَقَامَ نَفْسِهِ، فَقَاسُوا عَلَيْهَا سَائِرَ أُمُورِ الدِّينِ. انْتَهَى. وَأَشَارَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. قَالَ: فَأَتَاهُمْ عُمَرُ ، فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ؟ فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ . خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَعَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ دَلَّ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَنْعِ إِحْدَاثِ الِاسْتِطْرَاقِ إِلَى الْمَسَاجِدِ مِنَ الْبُيُوتِ; فَإِنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ يَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الِاسْتِطْرَاقِ، فَلَا يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ كَمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِطْرَاقُ إِلَى أَمْلَاكِ النَّاسِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ. وَهَذَا بِخِلَافِ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ فِيهِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ; لِأَنَّ هَذَا النَّفْعَ يَجُوزُ عِنْدَهُ فِي مِلْكِ الْجَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، بِخِلَافِ الِاسْتِطْرَاقِ إِلَى مِلْكِ الْجَارِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْإِمَامَ وَمَنْ يَتْبَعُهُ; فَإِنَّ اسْتِطْرَاقَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فِيهِ نَفْعٌ يَعُودُ بِمَصْلَحَةِ الْمُصَلِّينَ عُمُومًا، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ يَسْتَطْرِقُ إِلَى الْمَسْجِدِ هُوَ وَآلُ بَيْتِهِ تَبَعًا لَهُ، وَلِهَذَا رُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ غَيْرِ بَابِ عَلِيٍّ ، كَمَا خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ وُجُوهٍ. فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا سَدَّ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا إِلَى الْمَسْجِدِ غَيْرَ بَابِ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ الْإِمَامُ بَعْدَهُ، وَاسْتِطْرَاقُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ بَيْتِهِ فِيهِ نَفْعٌ عَامٌّ يَعُودُ عَلَى الْمُصَلِّينَ كُلِّهِمْ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية