الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 717 138 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهِيُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخَطَّفَنَّ أَبْصَارُهُمْ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ. (ذِكْرُ رِجَالِهِ) وَهُمْ خَمْسَةٌ: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ الْإِمَامُ الْمُبْرِزُ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَاسْمُ أَبِي عَرُوبَةَ مِهْرَانُ . (ذِكْرُ لِطَائِفِ إِسْنَادِهِ) فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، وَبِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي مَوْضِعٍ، وَفِيهِ الْقَوْلُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ كُلَّهُمْ بَصْرِيُّونَ، وَفِيهِ حَدَّثَهُ، وَيُرْوَى حَدَّثَهُمْ. (ذِكْرُ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِيهِ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْهُ بِهِ. (ذِكْرُ مَعْنَاهُ) قَوْلُهُ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ ": أَيْ مَا حَالُهُمْ وَشَأْنُهُمْ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ هَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ " فَذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَيِّنِ الرَّافِعُ مَنْ هُوَ؛ لِئَلَّا يَنْكَسِرَ خَاطِرُهُ إِذِ النَّصِيحَةُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فَضِيحَةٌ. قَوْلُهُ: " فِي صَلَاتِهِمْ "، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الدُّعَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ اقْتَضَى اخْتِصَاصَ الْكَرَاهَةِ بِالدُّعَاءِ الْوَاقِعِ فِي الصَّلَاةِ. (قُلْتُ): لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ، وَالْحُكْمُ عَامٌّ فِي الْكَرَاهَةِ سَوَاءٌ كَانَ رَفْعُ بَصَرِهِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ أَوْ بِدُونِ الدُّعَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فُلَانًا كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَتِ: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ " وَرَفْعُ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا يُنَافِي الْخُشُوعَ الَّذِي أَصْلُهُ هُوَ السُّكُونُ. قَوْلُهُ: " فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ": أَيْ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: " لَيَنْتَهِيَنَّ " اللَّامُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ جَوَابُ الْقِسْمِ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَالْهَاءِ، وَضَمِّ الْيَاءِ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْهَاءِ. قَوْلُهُ: " عَنْ ذَلِكَ ": أَيْ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: " أَوْ " قَالَ الطَّيِّبِيُّ : كَلِمَةُ " أَوْ " هُنَا لِلتَّخْيِيرِ تَهْدِيدًا، وَهُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ، وَالْمَعْنَى لَيَكُونَنَّ مِنْكُمُ الِانْتِهَاءُ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ أَوْ خَطْفُ الْأَبْصَارِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. (قُلْتُ): الْحَاصِلُ فِيهِ أَنَّ الْحَالَ لَا تَخْلُو عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا الِانْتِهَاءُ عَنْهُ أَوْ خَطْفُ الْبَصَرِ الَّذِي هُوَ الْعَمَى. قَوْلُهُ: " لَتُخَطَّفَنَّ " عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ) فِيهِ النَّهْيُ الْأَكِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، وَكَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ حَتَّى قَالَ: تَفْسَدُ صَلَاتُهُ، وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْخِلَافُ فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَرِيبٍ، وَقَالَ شُرَيْحٌ لِرَجُلٍ رَآهُ يَرْفَعُ بَصَرَهُ وَيَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ: اكْفُفْ يَدَكَ، وَاخْفِضْ بَصَرَكَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ وَلَنْ تَنَالَهُ. (فَإِنْ قُلْتَ): إِذَا غَمَّضَ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مَا حَكَمُهُ؟ (قُلْتُ): قَالَ الطَّحَاوِيُّ : كَرِهَهُ أَصْحَابُنَا، وَقَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَخِفُّ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْخُشُوعَ، وَيَمْنَعُ مِنْ إِرْسَالِ الْبَصَرِ وَتَفْرِيقِ الذِّهْنِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ لَمْ يَنْظُرْ إِلَّا إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ".

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية