الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      الْمَوْضُوعُ لَهُ ] الرَّابِعُ : فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ ; وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ أَوْ الْخَارِجِيِّ أَوْ لِأَعَمَّ مِنْهُمَا أَوْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَمْ تُوضَعْ الْأَلْفَاظُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ بَلْ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ ، وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ ، وَهَذَا كَالْخَطِّ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اللَّفْظِ ، وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى ، فَإِذَا قُلْت : الْعَالَمُ حَادِثٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حَادِثًا ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى حُكْمِك بِحُدُوثِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ فِي الْبُرْهَانِ " ، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي الْوُصُولِ " ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ : أَمَّا فِي الْمُفْرَدَاتِ فَلِأَنَّا لَوْ رَأَيْنَا شَبَحًا مِنْ بَعِيدٍ ظَنَنَّاهُ رَجُلًا فَإِذَا قَرُبَ رَأَيْنَاهُ شَبَحًا ، فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الْأَسَامِي عِنْدَ اخْتِلَافِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلَالَةَ لَهُ إلَّا عَلَيْهَا . وَأَمَّا فِي الْمُرَكَّبَاتِ فَلِأَنَّ قَوْلَنَا : قَامَ زَيْدٌ ، لَا يُفِيدُ قِيَامَ زَيْدٍ ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِهِ وَالْإِخْبَارَ عَنْهُ ، ثُمَّ نَنْظُرُ مُطَابَقَتَهُ لِلْخَارِجِ أَمْ لَا ، وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا عُرِضَ لِاعْتِقَادِ أَنَّهَا فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ ، لَا لِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِهَا فِي الذِّهْنِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْخَارِجِ ، وَأَيْضًا إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مِمَّا يَشْخَصُ فِي الْخَارِجِ مَجَازًا . وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ : مَنْ نَفَى الْوَضْعَ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ ، إنْ أَرَادَ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ ، فَهَذَا حَقٌّ ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ بِتَوَسُّطِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الدَّلَالَةَ الْخَارِجِيَّةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً مِنْ وَضْعِ اللَّفْظِ فَبَاطِلٌ ، لِأَنَّ الْمُخَبِّرَ إذَا أَخْبَرَ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ : جَاءَ زَيْدٌ ، فَإِنَّ قَصْدَهُ الْإِخْبَارَ بِمَجِيئِهِ فِي الْخَارِجِ . الثَّانِي : أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ لَا الذِّهْنِيِّ ، لِأَنَّهُ مُسْتَقَرُّ الْأَحْكَامِ ، وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ " ، وَيَلْزَمُ الرَّازِيَّ مِنْ نَفْيِهِ الْوَضْعَ لِلْخَارِجِيِّ أَنْ يَكُونَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا فِي الْخَارِجِ لَيْسَتْ مُطَابِقَةً وَلَا تَضَمُّنًا ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا نَفْيُ الْحَقَائِقِ ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ، وَعِنْدَهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلذِّهْنِيِّ ، وَلَكِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ لِلْخَارِجِيِّ ، وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنْ لَا يَكُونَ الْآنَ شَيْءٌ مَوْضُوعٌ ، لِأَنَّ الْوَضْعَ زَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ . الثَّالِثُ : أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ ، وَلَيْسَ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظٌ ، بَلْ كُلُّ مَعْنًى مُحْتَاجُ إلَى اللَّفْظِ ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَرَدَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ إلَيْهِ . الرَّابِعُ : أَنَّهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ ، وَنَسَبَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الْخُوبِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِلْفَلَاسِفَةِ : قَالَ : وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرِهِ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية