الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              328 (باب فضل الوضوء)

                                                                                                                              ومثله ترجم النووي.

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 99 100 ج3 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن أبي مالك الأشعري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه هذا الإسناد ما تكلم فيه الدارقطني وغيره؛ فقالوا: سقط فيه رجل بين "أبي سلام"، "وأبي مالك". [ ص: 462 ] والساقط: عبد الرحمن بن غنم. كذا أخرجه النسائي، وابن ماجة، وغيرهما.

                                                                                                                              والجواب: أن الظاهر من حال "مسلم" أنه علم سماع "أبي سلام لهذا الحديث من "أبي مالك"؛ فيكون "أبو سلام، (سمعه من "أبي مالك"، و(سمعه أيضا من ابن غنم عن أبي مالك. فرواه مرة عنه، ومرة عن ابن غنم). وكيف كان، فالمتن صحيح.

                                                                                                                              وهذا حديث عظيم، وأصل من أصول الإسلام، قد اشتمل على مهمات من قواعد الدين.

                                                                                                                              قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان".

                                                                                                                              هذا موضع الترجمة، والمراد به "الفعل" وهو "مضموم الطاء"، على المختار، وقول الأكثرين، ويجوز فتحها.

                                                                                                                              وأصل "الشطر"، النصف. ومعناه: أن الأجر قد ينتهي تضعيفه إلى "نصف أجر الإيمان".

                                                                                                                              وقيل: المراد "بالإيمان" هنا الصلاة. فصارت كالشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا.

                                                                                                                              قال النووي: وهذا القول أقرب الأقوال. وقيل: غير ذلك.

                                                                                                                              "والحمد لله تملأ الميزان"، يعني: عظم أجرها. وقد تظاهرت نصوص [ ص: 463 ] القرآن والسنة على وزن "الأعمال" وثقل "الميزان" وخفته.

                                                                                                                              "وسبحان الله، "والحمد لله" تملآن، (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض" أي: لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بينهما.

                                                                                                                              وسبب عظم فضلهما: ما اشتملنا عليه من التنزيه لله تعالى والتفويض؛ والافتقار إليه سبحانه.

                                                                                                                              "والصلاة نور" أي: أنها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به.

                                                                                                                              وقيل: يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة.

                                                                                                                              وقيل: إنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها، وإقباله على الله تعالى بظاهره وباطنه. وقد قال تعالى:

                                                                                                                              واستعينوا بالصبر والصلاة .

                                                                                                                              وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وقرة عيني في الصلاة).

                                                                                                                              وقيل: إنها تكون نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة. ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصل.

                                                                                                                              ولا مانع من إرادة الجميع، فإنها مجمع ذلك كله، إن شاء الله تعالى.

                                                                                                                              "والصدقة برهان" أي: يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد: إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله، كانت صدقاته براهين؛ [ ص: 464 ] في جواب هذا السؤال.

                                                                                                                              فيقول: تصدقت به.

                                                                                                                              ويجوز: أن يوم المتصدق بسيماء يعرف بها. فتكون برهانا له على حاله، ولا يسأل عن مصرف ماله.

                                                                                                                              قال صاحب "التحرير" الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها، لكونه لا يعتقدها.

                                                                                                                              فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه.

                                                                                                                              قلت: وعندي "الكل جائز".

                                                                                                                              "والصبر ضياء" أي: "الصبر"، المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر أيضا على النائبات، وأنواع المكاره في الدنيا.

                                                                                                                              يعني أن "الصبر" محمود، لا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا، مستمرا على الصواب.

                                                                                                                              قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة.

                                                                                                                              وقال ابن عطاء: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.

                                                                                                                              وقال أبو علي الدقاق: حقيقة الصبر، أن لا يعترض على المقدر.

                                                                                                                              فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر. قال تعالى في أيوب عليه السلام:

                                                                                                                              إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب .

                                                                                                                              [ ص: 465 ] مع أنه قال: أني مسني الضر .

                                                                                                                              قلت: ولا مانع من إرادة الجميع "فالصبر" يشمله كله.

                                                                                                                              "والقرآن حجة لك أو عليك"، أي: تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. اللهم اجعله حجة لنا لا علينا.

                                                                                                                              "كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"، أي: كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها الله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى، والنفس الأمارة بالسوء باتباعها، فيهلكها، والله أعلم.




                                                                                                                              الخدمات العلمية