الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              140 (باب منه) وذكره النووي فيما سبق

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 99 - 100 ج2 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن أسامة بن زيد ، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة ، فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله فطعنته [ ص: 81 ] فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله ! إنما قالها خوفا من السلاح قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ قال: فقال سعد : وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة ، قال: قال رجل: ألم يقل الله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فقال سعد قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا «الحرقات» ، من «جهينة» ، فأدركت رجلا فقال: (لا إله إلا الله) فطعنته؛ فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية الأخرى «فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: «يا أسامة! أقتلته؟» ، وفي الرواية الأخرى «فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر الرجل فدعاه.

                                                                                                                              يعني «أسامة» فسأله: فيحتمل أن يجمع بينها بأن أسامة وقع في نفسه من ذلك شيء بعد قتله، ونوى أن يسأل عنه، فجاء البشير فأخبر به قبل مقدم أسامة وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أيضا بعد قدومهم فسأل أسامة فذكره.

                                                                                                                              وليس في قوله «فذكرته» ، ما يدل على أنه قاله ابتداء قبل تقدم علم النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقال: (لا إله إلا الله) وقتلته؟»

                                                                                                                              [ ص: 82 ] قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفا من السلاح. قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها، أي: القلب «أم لا؟» ومعناه: إنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان.

                                                                                                                              وقال: «أفلا شققت عن قلبه» لتنظر: هل قالها القلب واعتقدها، وكانت فيه أم لم تكن فيه، بل جرت على اللسان فحسب؟ يعني: وأنت لست بقادر على هذا. فاقتصر على اللسان فحسب، ولا تطلب غيره.

                                                                                                                              «وفيه» دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول: أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر، والله يتولى السرائر. (فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ ) وفي رواية عن أسامة «أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» .

                                                                                                                              معناه: لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو عني ما تقدم. وقال هذا الكلام من عظم ما وقع فيه.

                                                                                                                              وأما كونه صلى الله عليه وسلم لم يوجب على أسامة قصاصا ولا دية ولا كفارة، فقد يستدل به لإسقاط الجميع؛ ولكن «الكفارة» واجبة. والقصاص ساقط للشبهة؛ فإنه ظنه «كافرا» وظن أن إظهاره كلمة التوحيد في هذه الحال لا يجعله مسلما.

                                                                                                                              وفي وجوب الدية قولان للشافعي؛ وقال بكل واحد منهما بعض العلماء ويجاب عن عدم ذكر «الكفارة» بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي. وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول.

                                                                                                                              [ ص: 83 ] وأما «الدية» على قول من أوجبها، فيحتمل أن أسامة كان في ذلك الوقت معسرا بها، فأخرت إلى يساره. قال: فقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «وأنا والله! لا أقتل مسلما» ، حتى يقتله -ذو البطين- يعني أسامة» والبطين بضم الباء تصغير «البطن» وكان له بطن عظيم، قاله عياض. قال: «قال رجل: ألم يقل الله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.»




                                                                                                                              الخدمات العلمية